صحافة عبرية

لا يوجد أمن %100

يديعوت أحرنوت

أفيعاد كلاينبرغ

16/2/2018

الحرب الأهلية الطويلة تركت سورية ضعيفة جدا. التهديد الاخر، داعش، تحطم من قبل الآخرين، دون أن تكون حاجة لإسرائيل أن تتدخل. كما أن الدخول الروسي إلى المنطقة لم يضر إسرائيل. روسيا هي دولة ودية جدا لها قدرة على فرض النظام. خير أن لا حاجة لإسرائيل ان تتصدى للفوضى خلف الحدود. يوجد رب بيت ويوجد مع من يمكن الحديث. كل هذا جيد إلى هذا الحد أو ذاك.
النواقص هي الاخرى واضحة – الولايات المتحدة خلفت وراءها ارضا محروقة. وإلى داخل الفراغ اجتذبت روسيا (خير نسبيا) وايران وحزب الله (شر). نهاية العالم؟ تماما لا. حزب الله، كما يجدر بالذكر، هو منظمة عسكرية غير كبيرة ليس لها سلاح جو ولا مدرعات. ايران وان كانت قوة عظمى عسكرية اقليمية، ولكنها ليست معفية من المشاكل الداخلية، ليست متحمسة لان تسفك دمها، وبالأساس ليس لها أي رغبة في النزاع مع الروس. يمكن للحال أن يكون أكثر شرا بكثير.
لم يكن في نيتي الدخول هنا إلى تحليل مفصل للجبهة الشمالية. فالتحليلات سمعناها في الايام الاخيرة حتى التعب. كل نيتي في السطور الاولية كانت الاشارة إلى المبدأ العتيق في أنه لا يوجد خير بدون شر. والبطانية دوما اقصر مما ينبغي، وعندما نشد من اليمين نبقى بلا غطاء من اليسار. وعندما نغطي الرأس تنكشف القدمين. ولماذا كبدت نفسي عناء تكرار هذه الحقيقة، التي ليس هناك من لا يعرفها مبدئيا؟ ليس بسبب جبهة الشمال، حيث الوضع جدي ولكنه ليس مقلقا، بل بسبب مفهوم الأمن – ليس الرسمي الذي يصيغه رؤساء جهاز الأمن بل غير الرسمي الذي يعبر عنه في الخطاب الجماهيري.
ان مفهوم الأمن غير المكتوب هذا وجد تعبيره في رد الفعل على الاحداث الاخيرة في الشمال – الهجمات الإسرائيلية خلف الحدود واسقاط طائرة الـ اف 16 الإسرائيلية. في الخطاب الإعلامي الذي ثار بزبد زائد فور اسقاط الطائرة، طرح أمران: الاول، الفرضية الكامنة في أن الحرية المطلقة التي اخذتها إسرائيل لنفسها في سماء الشمال هي حق آبائها واجدادها وحق أساس لها. لدولة إسرائيل الحق في اجتياز خطوط الحدود والعمل في مناطق جيرانها في الشمال وكأنها لها. كل محاولة للمس بهذا الحق الاساس (مثلا باسم السيادة السورية أو اللبنانية) هو ليس فقط مشكلة تكتيكية بل ظلم أخلاقي. لا أتناول في هذه اللحظة مسألة لماذا نحن نتجاوز خطوط الحدود، بل فقط مجرد الفرضية في أن هذه الخطوة هي أمر مسلم به.
الموضوع الثاني هو رد الفعل الهستيري على اسقاط طائرتنا. فالفرضية الإسرائيلية هي أن المصابين يقعون دوما فقط في الطرف الاخر. لسنوات طويلة من الحرب ضد الفلسطينيين، الخصم الذي يكاد يكون بلا قوة تقريبا، جعلت مواطني إسرائيل يعتادون على أن وضع الامور الطبيعي في الصدامات العسكرية وان كل قواتنا تعود لقواعدها بسلام. اما في الواقع فيوجد احيانا مصابون في طرفنا ايضا، ولكن هذه الحقيقة – جزء لا يتجزأ من كل مواجهة عسكرية – هي عندنا مثابة تغيير لأنظمة العالم الذي يفترض تشكيل لجنة تحقيق واعلان عن انهيار الأمن القومي لإسرائيل.
اسمحوا لي أن أتناول باختصار هاتين الفرضيتين. 1. الوضع الذي لا تكون فيه للطرف الاخر قدرة على الرد (100 في المائة أمن) هو شاذ. في الوضع “الطبيعي” تكون للخصوم قدرة للمسك بك، بل وحتى مسا شديدا. لكل دول المنطقة قدرة على مس شديد بمواطني إسرائيل وجنودها. للاتحاد السوفياتي كانت قدرة لان توقع الخراب على كل مدينة في الولايات المتحدة. هذا الوضع ليس رؤيا الآخرة، بل الوضع العادي بين الأمم واحيانا بين الأمم ومنظمات عسكرية.
خطوات عسكرية – سياسية لا تتم في فراغ، فهي نتاج حسابات الربح والخسارة. والمطالبة الروسية الاعتراف بالسيادة السورية ليست خرقا لقواعد اللعب – بل اعادة لتثبيتها. ماذا نعمل في هذا الشأن؟ مسألة مركبة. أولا،  نمزح. 2. لا يوجد أمن 100 في المائة، مثلما لا يوجد أمن ضد الاخفاقات. في ذروة قوة الامبراطورية البريطانية صفى مقاتلو زولو مسلحين بالرماح قوة بريطانية تعد نحو 1500 جندي، مسلحين بأفضل السلاح الناري في تلك الفترة (معركة ايسندل فانا، 1879). الخلل يقع. في الحروب يقتل الناس. بريطانيا، كما هو معروف، لم يهزمها الزولو. ما ينبغي أن يقلقنا ليس سقوط طائرة – فالطائرات تسقط احيانا – بل فقدان الصواب وغياب خطة استراتيجية.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock