آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

“لباقة” الحديث.. مهارة تأسر القلوب وغيابها يترك آثارا لا تشفى مع الزمن

مجد جابر

عمان- قبل النطق بالكلمة؛ كم واحد يفكر ولو للحظة قبل التفوه بها ويدرك جيدا الأثر الذي تحمله على نفس المتلقي، أيعرف أنها قد تكون “رصاصة” تصيب في مقتل، وتبقى محفورة بالأعماق حتى مع مرور الزمن.
في مهارة الحديث والكلام، ليس مطلوبا سوى التريث قليلا، وأن يضع الشخص نفسه مكان الآخرين، ويدرك أن الكلمة الطيبة تأسر من أمامك، في حين أن الكلمة الجارحة “تنفر” الناس من حوله.
ربما هنالك من يعتبر أن “لباقة الحديث” أمرا ثانويا، ولا تستحق التوقف عندها، أو التفكير بالكلمة قبل النطق بها وأثرها النفسي الذي تتركه، رغم أهميتها الكبيرة في كل العلاقات الاجتماعية وتطورها واستمرارها.
افتقاد هذه المهارة، قد يكون السبب وراء “شروخ” يصعب ترميمها وإصلاحها بعد ذلك، فالكلمة بغير مكانها قد تكون “مؤذية”، ويستمر أثرها وقتا طويلا.
ولعل “لباقة الحديث” واختيار الكلمات ووضعها بمكانها الصحيح، هي مهارة أساسية لا يدركها كثير من الأشخاص، ومغيبة ضمن تفاصيل حياتهم، ويتسيد على ما يتحدثون به لغة الانتقاد والعبارات الجارحة، من دون مراعاة لشعور غيرنا، فيوجهون سهام كلامهم للطرف الآخر. وأحيانا، قد يقوم أحدهم بإبداء رأيه في موضوع معين بطريقة لا تراعي أبدا أي نوع من اللباقة في الكلام، وليست في مكانها، وفي المقابل تترك أثرها النفسي الكبير على الطرف الآخر.
ولا بد من الإشارة الى أن تعلم الشخص ومعرفته وذكائه ليس لها علاقة بقدرته على امتلاك مهارات الحديث، فهذه مهارة منفردة تحتاج إلى عمل وجهد وتساهم بها التنشئة الاجتماعية من أجل التحلي بها.
اختصاصيون يرون امتلاك مهارة الحديث واللباقة في الكلام ليس بالأمر السهل، وقلة من الناس تمتلكها وتدرك مهارتها جيدا وتعرف ما الكلمات التي تنطق بها، وتلك الجارحة والتي لا تحترم مشاعر غيرنا، معتبرين أن على كل شخص أن يفكر بالكلام الذي يرغب في البوح به، وما الهدف منه والوقت المناسب لقوله، لما قد يتركه ذلك من أثر نفسي كبير على متلقي الكلام.
الاختصاصي التربوي الدكتور عايش مدالله النوايسة، يرى أن لباقة الحديث تندرج من ضمن مهارات التواصل والاتصال والانفعال، وهذه المهارات تشكل جوهر كل العمليات الاجتماعية والإدارية والسياسية، التي تشكل كل عمليات التواصل البشري من ضمن كل المستويات سواء الحياتية أو العملية.
هذه العملية لها عناصر، مرسل ومتلق، اتصال واستقبال، وأي خلل من هذه العناصر يؤثر في العملية بأكملها، وبالتالي من شروط الرسالة الجيدة أن يكون المتحدث يعرف ما يقول ولديه ثقة بما يصدر منه، ويعرف ما الذي يريد إيصاله والهدف منه، وما الطريقة التي يستخدمها في إيصال هذا الحديث.
ويشير الى أن مهارة الحديث هي من المهارات الحياتية المهمة جداً وتوصل الرسالة المرادة على حسب الطريقة، ومن لا يملك مهارة الحوار قد يخسر الكثير من الأمور، فتميز الشخص وذكاؤه ومعرفته ليس لها علاقة بامتلاكه “اللباقة بالحديث” فقد يكون يملك كل هذه الصفات الجيدة إلا هذه المهارة، وهو الأمر الذي سيتسبب بخسارته الكثير من الأمور.
لذلك، على الأسرة العمل عل تنشئة الأطفال بتعلم هذه المهارة والتركيز عليها، وعلى المؤسسات التعليمية، أن تركز عليها ضمن المناهج المدرسية، لأن ذلك يؤسس جيدا لجيل يدرك كيفية التحدث بلباقة.
ويذهب الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة، إلى أهمية إدراك أن الكلمة تحمل أثرا كبيرا، وأصل كل شيء هو “الكلمة”، فإما أن تكون كلمات لها معنى وتأثير وضمن أسس صحيحة، أو تكون كلمة في غير موضعها وغير مكانها.
بالتالي، فإن الاهتمام باللباقة والأناقة في الكلام أساس في طريق النجاح، ورسم مساره، فالناس الذين يملكون هذه المهارة لديهم قدرة على التواصل الفعال وكسر الحواجز والمعوقات، في حين أن العكس قد يؤثر سلبا في مختلف مناحي الحياة. لذلك تبقى التنشئة الاجتماعية أساسية لتعلم مهارة الحديث.
إلى ذلك، فإن التحدث مع الناس بطريقة فيها إساءة، لا يوجد له أي مبرر، إذ ينبغي معرفة كيفية اختيار الكلمات المناسبة في مكانها المناسب ودون تجريح للطرف الآخر، وعلى الشخص قبل التحدث التفكير بما سيقوله ومعناه وأثره على المتلقي، مبينا “أننا لا نعيش في مجتمع بمفردنا ولابد من التعامل مع الأشخاص والتحدث اليهم بما هو لائق”. وفق مطارنة، وينوه بأن الأشخاص الذين لا يملكون هذه المهارة ليس بإمكانهم التعبير عن أنفسهم بطريقة صحيحة أو منطقية، فهم بعيدون عن اللباقة والأناقة في الحديث، ولا يراعون الشخص الآخر نفسياً، إلى جانب أنهم لا يحترمون الآخر ولا يقدرون الموقف ولا المكان ولا الوقت المناسب للتحدث فيه. ويعتبر أن هذه الشخصيات أحيانا تكون ضعيفة ولم تعتد على التحدث بلباقة، ولم يعرفوا أسس التعامل مع الناس، وهذا يعود الى تنشئتهم والبيئة التي خرجوا منها التي لا تأخذ آداب الحديث من ضمن مقومات التربية الصحيحة والسليمة، وتكون طريقة الأسرة في التواصل تخلو من الحوار والنقاش بصوت منخفض، واحترام الطرف الثاني حتى عند توجيه انتقاد له.
ويعتبر مطارنة أن هنالك أشخاصا لا يدركون أنهم قد يتسببون بجرح كبير قد لا يندمل مع الوقت، بسبب كلمة أو عبارة أو انتقاد ليس في مكانه، مبينا أهمية التعامل مع هؤلاء بحذر وإخراجهم من المحيط القريب، وتجنبهم قدر المستطاع حتى لا يتركون أثرا نفسيا سلبيا على نفس المتلقي، وفي حال قاموا بالتجريح في الكلام يجب على الطرف الآخر عدم الاكتراث أو أخذ الكلام على محمل الجد، وعدم منحهم هذه الفرصة في المرة المقبلة. وتبقى الكلمة الطيبة لها وقعها وتأثيرها وتبني جسرا كله حب واحترام ومودة مع غيرنا، في حين قد تكون الكلمة المسيئة “سهما” جارحا لا تشفى آثاره حتى مع الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock