اقتصادتحليل إقتصادي

لبنان: العدالة والشفافية في حملة التلقيح ضد فيروس كورونا مفتاح النجاح الحقيقي

فرح أصفهاني *
شيرين فاركيسون**
نام نغوين***

واشنطن – وصلت الدفعة الأولى من لقاحات كورونا (كوفيد 19) إلى لبنان وهي ممولة من مشروع تعزيز النظام الصحي في لبنان في إطار أول مساندة يقدمها البنك الدولي لعملية التلقيح ضد فيروس كورونا في العالم. وقد أطلق لبنان رسميا الحملة الوطنية للتلقيح في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت في 14 شباط (فبراير). وكان أول من تلقى اللقاح الدكتور محمود حسون، رئيس وحدة العناية المركزة في المستشفى، تلاه الممثل اللبناني صلاح تيزاني البالغ من العمر 93 عاما. وكلاهما يمثلان الفئات ذات الأولوية التي تستهدفها الحملة في المراحل الأولى من التلقيح، وهي: العاملون الصحيون في الخطوط الأمامية، وكبار السن والمصابون بأكثر من مرض مزمن.
وفي معرض تلقيه اللقاح، قال تيزاني لوكالة الأنباء الفرنسية: “أقول للجميع أن يأتوا ويتلقحوا وألا يخافوا. فمن الأفضل الحصول على التلقيح بدلا من أن يكونوا ضحية هذا الفيروس القاتل.” ورغم التحديات التي من المتوقع أن تواجهها مرحلة التنفيذ، فمن شأن حملة التلقيح ضد فيروس كورونا في لبنان أن تنقذ الأرواح، وتدعم التعافي الاقتصادي الذي يحتاجه لبنان بشدة.
يجابه لبنان ثلاث أزمات طاحنة: أزمة اقتصادية مستمرة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وجائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، وتداعيات الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت. وقد تسبب الانفجار في تضرر 292 منشأة صحية وقلّص إلى حد كبير من القدرة على الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وخاصة بين صفوف الفئات الضعيفة. وقد فاقمت جائحة كورونا من الضغوط الواقعة على القطاع الصحي.
وفي آذار 2020، عند بداية تفشي جائحة كورونا، وافق البنك الدولي على إعادة تخصيص 40 مليون دولار لأغراض الاستجابة للجائحة في إطار مشروع تعزيز النظام الصحي في لبنان الجاري تنفيذه (بقيمة 120 مليون دولار) والذي كان قد وافق عليه في عام 2017 لدعم جهود الحكومة في زيادة إمكانية حصول اللبنانيين محدودي الدخل والسوريين النازحين على خدمات رعاية صحية جيدة. وأصبح لبنان بذلك أول بلد يحصل على التمويل من البنك الدولي لمكافحة فيروس كورونا. وساعدت إعادة التخصيص هذه في شراء المعدات واللوازم الطبية لزيادة قدرة لبنان على التصدي للجائحة، وتغطية تكاليف علاج المصابين بالفيروس في المستشفيات. وقد وفَّر المشروع حتى الآن، معدات ولوازم طبية إلى 45 مستشفى من المستشفيات العامة والخاصة وسدد فواتير الاستشفاء عن 768 مريضاً.
ولكن الارتفاع غير المسبوق في عدد المصابين بفيروس كورونا، المقترن بعدد الإصابات المرتفع بين الكوادر الصحية في لبنان، كان سبباً في إرهاق قدرات القطاع الصحي. وبالإضافة إلى التدابير المختلفة على صعيد الصحة العامة، فإن سرعة بدء حملة التلقيح ضد فيروس كورونا تكتسي أهمية كبيرة من أجل حماية النظام الصحي، والحد من انتشار العدوى، ووضع البلاد على مسار إعادة تحريك العجلة الاقتصادية بثقة.
ومرة أخرى، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك في 20 كانون الثاني (يناير) في جلسة خاصة على إعادة تخصيص ثانية لموارد المشروع من أجل التلقيح ضد فيروس كورونا. وبهذا تصل القيمة الإجمالية لمكون مكافحة فيروس كورونا إلى 58 مليون دولار في إطار المشروع، منها 34 مليون دولار خُصصت لحملة التلقيح. وبعد أقل من 48 ساعة، تمكّنت وزارة الصحة العامة من تحويل المبلغ لشراء ما سيشكل الدفعة الأولى من لقاحات كورونا التي سيحصل عليها لبنان.
إن توزيع اللقاح يشمل أكثر من مجرد عملية شرائه. وقد قدم فريق البنك الدولي، بالتعاون مع شركاء تنمية آخرين، الدعم لوزارة الصحة العامة من أجل وضع خطة وطنية عالية الجودة للتلقيح، تم اعتمادها في 27 كانون الثاني (يناير). ووفقاً لهذه الخطة، سيتم توفير اللقاح للسكان ذوي الأولوية على نحو شامل للجميع لا تمييز فيه. كما اتخذت الوزارة الخطوات اللازمة لإنهاء إجراءات التخليص الجمركي، وتوفير السلسلة فائقة التبريد اللازمة لنقل اللقاحات وتخزينها، فضلاً عن جهوزية مواقع التلقيح.
كما أطلقت الحكومة منصة رقمية للتسجيل من أجل التلقيح ضد فيروس كورونا في الثامن والعشرين من كانون الثاني. وتتيح المنصة لجميع الأشخاص الذين يعيشون في لبنان التسجيل مسبقاً للحصول على لقاح كورونا. وسوف تختار خوارزميات المنصة المبرمجة مسبقاً متلقي اللقاحات ذوي الأولوية بناءً على معايير الأهلية المتفق عليها.
وفي معرض حديثه عن ذلك، قال فريد بلحاج، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي: “لقد سُعدت لرؤية الفئات ذات الأولوية وهي تحصل بالفعل على لقاحات كورونا في غضون ساعات من وصولها إلى لبنان. وسنقوم بمراقبة التوزيع العادل والشفاف على الفئات ذات الأولوية كما هو متفق عليه مع الحكومة. فرفع مستوى الوعي، وتشجيع الناس على التسجيل، والتوزيع العادل والشفاف أمور أساسية في نجاح حملة التلقيح.”
وقد وقّع البنك الدولي والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر على اتفاقية للرصد المستقل لحملة التلقيح ضد فيروس كورونا في لبنان. وبموجب هذه الاتفاقية، يتولى الاتحاد، بوصفه جهة مستقلة، مسؤولية الرصد المستقل لمدى التزام عملية توزيع اللقاح بالخطة الوطنية للتلقيح وبالمعايير الدولية وبمتطلبات البنك الدولي، من حيث جميع الجوانب التقنية والبيئية والاجتماعية، وذلك ضماناً لتوزيع اللقاحات بصورة آمنة وفعالة ومنصفة.
وتنفيذاً لهذا الاتفاقية، سيتابع الاتحاد عمليات التخزين، وأرصدة المخزون، وإجراءات المحافظة على درجة الحرارة في مختلف مراحل سلسلة التوريد، وتقديم الخدمة في مواقع التلقيح، وأهلية متلقي اللقاحات، والآراء التقييمية للمستفيدين. وبالإضافة إلى ذلك، ستتابع فرق الاتحاد وسائل التواصل الاجتماعي، وتحلّل بيانات مركز الاتصال الذي أنشأته وزارة الصحة العامة في إطار آلية معالجة الشكاوى التي أنشئت ضمن المشروع.
كما أنشأ البنك الدولي، بالتشاور مع الحكومة وشركاء التنمية، لجنة دولية مشتركة للرصد والمتابعة تتألف من البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف والمنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والأونروا، لمتابعة حملة التلقيح، وضمان القيام بجهود مشتركة للدعوة واستقطاب التأييد طوال هذه العملية.
وتشكل سرعة انطلاق حملة التلقيح، بالتعاون مع جميع شركائنا فضلاً عن التدابير الأخرى على صعيد الصحة العامة، أمرا بالغ الأهمية لحماية النظام الصحي في لبنان، وكذلك للحد من انتشار العدوى بالفيروس. إنها بداية الضوء في نهاية النفق المظلم، ونأمل أن تساعد لبنان وهو ماضٍ على طريق إعادة تحريك عجلة الاقتصاد بكل ثقة.
*أصفهاني اختصاصية صحية في قطاع الممارسات العالمية للصحة والتغذية والسكان لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة للبنك الدولي
**فاركي خبير في الصحة العامة وخبير إستراتيجي
***نغوين كبير اختصاصيي الشؤون الصحية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock