تحليل إخباري

لبنان ما يزال عالقا في 4 آب

مريم الخطيب

لم تعد أجراس الكنائس تقرع، ولا تكبيرات المساجد تسمع، الشوارع فارغة والصمت عارم، هكذا يعيش سكان مدينة بيروت منذ الانفجار العظيم الذي وقع في 4 آب 2020، حيث وقع الانفجار في «مرفأ بيروت» ونتج عنه 204 وفيات وآلاف الإصابات، عدا المفقودين الذين كانوا ينتظرون مصيرهم بين الأنقاض.
بعيدا عن الأسباب السياسة والخسائر الاقتصادية التي أشغلت حيزا على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الاخبارية والمنصات الإعلامية، لا بد من ذكر الحالة الاجتماعية والنفسية التي عاشها الشعب اللبناني عقب الانفجار، بعد أن أصبحت مدينة بيروت رمادا، كيف لسكانها النظر إليها والسير في شوارعها والعيش فيها من جديد؟
يفضل الإنسان العيش في مدينة يشعر فيها بالأمان والاستقرار، وعندما يتلاشى الأمان يلجأ الفرد للعيش في بيئة توفر له متسعا من الأمان الذي يساعده في العيش في راحة دون خوف.
عاش لبنان منذ بداية 2020 أحداثا كثيرة، من خسائر اقتصادية وتوتر الأوضاع الساسية وصولا إلى الحدث الأعظم، الذي من خلاله أطلق على العاصمة اللبنانية «المدينة المنكوبة»، في يوم 4 آب 2020، حصل انفجار عظيم في مرفأ بيروت ناتج عن مادة «نترات الأمونيوم» في عنبر رقم 12، وكان على مرحلتين، وأدى إلى خسائر بشرية واقتصادية فادحة، عاش الشعب اللبناني عقب الانفجار أيام صعبة لم تنس، هناك من خسر عائلته وهناك من خسر منزله وهناك من خسر وظيفته، والخسارة الكبيرة كانت المدينة التي يعيشون فيها، لم يبق منها سوى الرماد.
وفي حديث خاص لقناة رؤيا، حول الأثر النفسي والاجتماعي الذي تركه الانفجار بعد مرور ما يقارب السبعة أشهر، روى أربعة أشخاص من المتضررين في الحادثة الحالة النفسية والاجتماعية التي عاشوها عقب الانفجار، في الرواية الأولى لشابة لبنانية تدعى آلاء الراشد تمكث مع عائلتها في العاصمة اللبنانية بيروت في منطقة خلدة، قالت: «في الفترة الأخيرة قبل الانفجار تأثر الشعب اللبناني اقتصاديا وسياسيا، لذا قررنا أنا وعائلتي بعد كل هذه الضغوط أن نخرج يوم 4 آب لنرفه عن أنفسنا إلى «مول» في بيروت، وفجأة دون سابق إنذار شعرنا بهزة غريبة وكنت أظن وقتها أنها هزة أرضية، إلى أن بدأت الهزة تزيد هنا شعرت أنني أعيش اللحظات الأخيرة من حياتي، وبعدما أدركت ما الذي يحدث أول ما فعلته هو أنني تأكدت من سلامة أمي وأخي الصغير، كان الناس ملطخين بالدماء، والزجاج مكسر على الأرض، ومن وقت تلك الحادثة إلى اليوم أعاني من قلق في الليل ولا أستطيع النوم، وأخي الصغير لا يستطيع أن يجلس بجانب أي شيء يحتوي على الزجاج، وبعد الذي حصل في ذلك اليوم لا أعتقد أنه بقي لدي أمل بأن يتحسن وضع بلدي».
وفي رواية ثانية لأخوين طلبا عدم الكشف عن اسميهما، كانا يعملان في مستشفى «الروم» في بيروت، في يوم 4 آب كانت مناوبتهما في المستشفى في الطابق السفلي، وعند ساعة الانفجار دمرت المستشفى بأكملها وكانت الأكثر ضررا بين مستشفيات بيروت، وعندما ذهبا ليتفقدا منزلهما وجداه مدمرا وعلى وشك الانهيار، ومن الجدير بالذكر أنهما ارسلا لأصدقائهما رسائل ليطمئنوا عليهم ولكن الرسائل لم تصل، لأن أصدقاءهما استشهدوا جراء الانفجار، ومنذ تلك الحادثة خسرا منزلهما ووظيفتهما وأصدقاءهما، وليس بوسعهما إلا الصبر على هذا المصاب الجلل.
وفي رواية أخرى لشاب يدعى نبيل قاسم قال: «أول ما حدث الانفجار لم أكن في بيروت ولكن عائلتي كانت هناك، لذا ذهبت فورا للاطمئنان عليهم، كانوا على ما يرام ولكن كانت العاصمة مدمرة، أخذت قرارا وقتها بالسفر وترك البلد التي خلقت فيها، عندما ركبت الطائرة قلت لم أشعر أنني تركت منزلي ووطني، لأنني لم ارهما في المرة الأخيرة كما عهدتهما في السابق، كل ما أفكر به الآن أخذ عائلتي من لبنان لمكان يشعرون فيه بالأمان».
نستنتج من الحالات التي ذكرت والكثير من الحالات الأخرى، أن 4 آب كان نقطة تحول كبيرة في تاريخ لبنان المعروف، وشعبها الذي عرف بحبه للحياة والأمل، أصبح مثقلا بالهموم، ومن الجدير بالذكر أنه بلغ عدد الذين خسروا منازلهم في بيروت نحو ثلاثين ألف شخص، وكانت الخسارة المعنوية والنفسية أكبر بكثير من الخسارة المادية، لأن هذه الحادثة لن تنسى من ذاكرة اللبنانيين ولا حتى من ذاكرة العرب، لبنان لم تعد كما كانت وبيروت تحت الدمار.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock