أفكار ومواقف

لبنان والمآلات الصعبة

لم تثنِ الخطة الاقتصادية التي حظيت بموافقة الحكومة، وأعلنها رئيس الوزراء اللبناني بالأمس اللبنانيين من الاستمرار بالنزول الى الساحات، وبأعداد كبيرة جداً، وفي كافة المدن اللبنانية الرئيسة. بالرغم من أن فرض الضرائب الاسبوع الماضي كانت الشرارة التي أطلقت موجة الاحتجاجات في لبنان، إلا أنه يبدو أن الجمهور اللبناني قد تجاوز تلك المطالب الاقتصادية الى رفض كامل للطبقة السياسية الحاكمة المتهمة بالفساد المنظم ونهب ثروات البلد، وعدم قدرتها على تلبية الحد الأدنى من العيش الكريم للبنانيين.
الاحتجاجات في لبنان جاءت عابرة للطوائف، معبرة عن ظاهرة شبهها بعض المحليين بنهاية الطائفية في لبنان . هذه الاحتجاجات العارمة تجرأت على كافة رموز الطبقة السياسية، والتي كان بعضها لفترة بسيطة يحتل مرتبة شبه مقدسة عصية على الانتقاد والنقد. هذه ليست المرة الأولى التي بدأ المحتجون يربطون بين تراجع مستوى المعيشة وانتشار الفقر والبطالة بالفساد وبالإدارة السياسية للبلاد، كما حصل بالسودان والجزائر قبل ذلك.
البعد الآخر للاحتجاجات في لبنان مرتبط بأبعاد هيمنة بعض القوى المدعومة إقليمياً على المشهد السياسي في لبنان، وفُهمت على انها تمرد ورفض لهذه الهيمنة وهذه السياسة، ليس فقط من خارج هذه الفئة، وإنما أيضاً من جمهور هذه الأطراف، حيث تم كسر حاجز الخوف من المناطق الشعبية، وخاصة بالجنوب وبعلبك وغيرها.
هذه الثورة، إذا جاز التعبير، باتت تشكل تهديداً للمعادلة السياسية الحالية في لبنان، مما حدا السيد حسن نصر الله الى الخروج بخطاب لم يخلُ من التهديد للقوى السياسية والشعبية من أنه لن يسمح بإسقاط الحكومة والمعادلة السياسية الحالية لو اقتضى الامر اللجوء الى مواجهة المحتجين.
مطالب المحتجين الآن تجاوزت الأبعاد الاقتصادية الى السياسية، وتتركز على حل الحكومة والدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة من أجل إفساح المجال لبروز نخبة سياسية جديدة، يتمخض عنها نظام ديمقراطي لا يقوم على المحاصصة الطائفية، ويعمل لصالح غالبية الناس . بالرغم من أنه لا يمكن استبعاد هذا السيناريو، وقد يكون الأسلم للبنان، إلا أنه سيواجه معارضة شديدة من بعض فئات الطبقة الحاكمة، وتحديداً من قبل حزب الله وامل والتيار الوطني الحر، والذين يعتبرون من اكبر الخاسرين من هذه الاحتجاجات، وقد يكون هذا السيناريو هو الأفضل للبنان واللبنانيين.
إذا لم ينجح هذا السيناريو، فإن مآلات مستقبل لبنان السياسي قد تكون محفوفة بالمخاطر، فمن الممكن أن يقوم الجيش، والذي انحاز للمتظاهرين مبكراً، ولم يقم بقمع المتظاهرين لحد الآن، هو أحد المخارج للأزمة التي دخلت بها لبنان قبل أيام، والذي لن يتم إلا من خلال تفاهمات مع القوى الحالية، وخاصة حزب الله الذي هدد المتظاهرين بالنزول للشارع في حال الإصرار على المطالب السياسية للمحتجين، ولكن في حال تم التوافق على ذلك، فإن الجيش سيكون قادراً على إدارة المرحلة الانتقالية.
أما السيناريو الثالث والأخطر، فيتمثل بتنفيذ حزب الله وعده بالنزول للشارع بمظاهرات مضادة أو من خلال الجناح العسكري، والذي إن حصل سيكون كارثة على لبنان واللبنانيين لأنه قد يؤدي لحرب اهلية جديدة ستكون أبشع من الحرب الطائفية الأولى. إن هذا السيناريو، وإن كان مستبعداً، يجب ألا يتم استثناؤه. المظاهرات الحالية تشكل التحدي الأبرز للحزب والقوى الداعمة له، ولن يتخلى عن مكاسبه بسهولة.
موجات الاحتجاجات العارمة التي تجتاح لبنان، والتي تأخذ الطابع السلمي لحد الآن لا يمكن انهاؤها بالعودة للنظام الطائفي، ولكن تواجهها صعوبات كبيرة قد تكون المواجهة أحد نتائجها.
المظاهرات العابرة للطوائف قد تكون الأبشع . ما يزال بمقدور الطبقة السياسية الحاكمة أن تساهم بإدارة مرحلة انتقالية يتم ترسيخ الديمقراطية بلبنان بعدها، والتأسيس لنظام غير طائفي، ولكن احتمالات الحرب الطائفية ليست مستبعدة أيضا.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
40 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock