صحافة عبرية

لبيد.. أنت تبدد وقتا ثمينا

هآرتس
بقلم: شاؤول اريئيلي 28/1/2022

في إحاطة للمراسلين العسكريين في بداية هذا الشهر، أعلن رئيس الحكومة البديل، يئير لبيد: “حتى عندما سأصبح رئيس الحكومة فإننا لن نجري مفاوضات مع الفلسطينيين” (3/1). بهذا انضم لرئيس الحكومة نفتالي بينيت الذي قال في مقابلة مع “نيويورك تايمز” في آب (أغسطس) الماضي: “هذه الحكومة لن تضم (مناطق) ولن تقيم دولة فلسطينية”. تصريح لبيد يخدم بالأساس رؤية بينيت الذي هو مستعد للاكتفاء بالوضع الراهن، الذي هو ليس إلا استمرارا للضم الزاحف الذي يتمثل اليوم أيضا ببناء واسع في الضفة الغربية. ولكن هذا التصريح لا يتساوق مع تصريح لبيد عن الحاجة الى “عمليات طرد ضرورية”، وليس مع تأييده لحل الدولتين. على فرض أن التناوب سيحدث فإن هذا التصريح يؤكد أنه للسنتين الضائعتين لبينيت سيضاف أيضا سنتان عقيرتان، اللتان فيهما إسرائيل ستواصل السير في الطريق الى فقدان الحلم الصهيوني والشريك الفلسطيني.
تاريخ النزاع يعلمنا أنه في الحركة الصهيونية كان هناك في البداية خطان سياسيان وهما تأسيس دولة يهودية ديمقراطية في كل أرض إسرائيل أو دولة واحدة لكل سكان البلاد. الخط الأول، السائد، حاولت الصهيونية تجسيده بواسطة دمج ثلاث استراتيجيات عمل أساسية، وهي هجرة واستيطان، سلام اجتماعي وترحيل طوعي أو قسري للفلسطينيين. ولا أي واحد من خطوط السياسة ولا أي من هاتين الاستراتيجيتين نجحت في حل النزاع أو تحقيق الأهداف الثلاثة الرئيسية للحركة الصهيونية، أرض إسرائيل، ديمقراطية، أغلبية يهودية. هكذا ولد خط سياسي ثالث وهو التقسيم الى دولتين.
قرار حكومة بينيت-لبيد تبني خط سياسي يتجاهل الحاجة الى تسوية النزاع يبقي الساحة السياسية مكشوفة لعوامل تريد الدفع قدما بالخطوط السياسية والاستراتيجيات التي فشلت في السابق، وليس فيها ما يمكنه أن يجلب إشارة الآن. وكل الحكومة تتجاهل الخط السياسي الثالث الذي هو العبرة المطلوبة من فشل السياسات الأخرى، الذي يؤيده الآن معظم الجمهور، وما يزال لم يستنفد. هذا التجاهل يشجع خطا سياسيا رابعا وهو الابرتهايد، الذي يقترحه جزء صغير من الجمهور اليهودي وهو يهدد الحلم الصهيوني.
من أجل تجسيد الحلم الصهيوني تبنت الحركة الصهيونية خطا سياسيا يتمثل بإقامة دولة ديمقراطية مع هوية يهودية في كل أرض إسرائيل. الاستراتيجية الأولى من أجل ذلك كانت هجرة جماعية واستيطانا. وحقيقة أنه عشية إقامة الدولة اليهودية كانوا يمثلون فقط ثلث سكان البلاد تعني أن هذه الاستراتيجية فشلت لأسباب مختلفة، على رأسها “التأخير القاتل للشعب العبري في بناء البلاد”، كما قال مردخاي نمير في كتابه الذي صدر في 1936، نمو الحركة الوطنية لعرب أرض إسرائيل وسياسة “الكتاب الأبيض” الثالث (1939) والكارثة.
الاستراتيجية الثانية للحركة الصهيونية كانت السعي الى استبدال الطموحات القومية الفلسطينية بمكاسب اقتصادية. هرتسل كتب في مذكراته في 1899: “عندما يسمح بهجرة اليهود الذين سيجلبون معهم ذكاءهم ومهاراتهم المالية ومؤهلات المبادرة لديهم الى البلاد، فلا شك أن رفاهية كل البلاد ستكون هي النتيجة المفرحة”. إن فشل هذه الاستراتيجية شرحه جابوتنسكي في 1923 في “الجدار الحديدي”: “إن الهذيان بهذا الأمر، أن يوافقوا طواعية على تجسيد الصهيونية مقابل تسهيلات ثقافية أو مادية، التي يمكن أن يجلبها لهم المستوطن اليهودي… إن طرح هذه الأمور ليس له أي أساس”. الآن هذا الهذيان يعود ويجد له مكانا في الخطاب السياسي، بدءا بحلم السلام وحتى سياسة “تقليص النزاع” والسلام الاقتصادي التي تبناها بينيت.
الاستراتيجية الثالثة كانت الترانسفير الطوعي أو القسري للعرب. في 1937 قال بيرل كتسنلسون ردا على اقتراح لجنة بيل “إن موضوع نقل السكان أثار لدينا النقاش: هل هو مسموح أم محرم. ضميري هادئ تماما بهذا الشأن. من الجيد جار بعيد أفضل من عدو قريب”. يوسف فايتس كتب في مذكراته في 1940: “لا يوجد مجال للتسوية! يجب نقلهم جميعا. يجب عدم إبقاء أي قرية أو أي قبيلة، فقط بهذه الطريقة، تهجير عرب إسرائيل، يأتي الخلاص”.
استراتيجية الترحيل الطوعي فشلت الى أن جاء قرار التقسيم. الفلسطينيون عارضوه بشدة. حتى أنه في العام 1934 كتب أمين الحسيني في مقال في 1954 بأنه “اتصل مبعوثون بريطانيون معي شخصيا، ومع شخصيات فلسطينية وطنية أخرى، وعرضوا أن ينتقل عرب فلسطين الى شرق الأردن -هناك ستعطى لهم أرض هي ضعف الأرض التي يمتلكونها. واقترحوا أن يدفع اليهود لهم كل الأموال المطلوبة لتطبيق هذا العرض. كان من الطبيعي فقط أن يرفضوا هذا الاقتراح المضحك”.
لكن استراتيجية الترحيل القسري حظيت بالنجاح على خلفية حرب الاستقلال بعد أن رفض العرب قرار التقسيم. في 17 حزيران 1948 كتب موشيه شريت في مذكراته: “الفرصة التي يفتحها أمامنا الوضع الحالي لحل، مرة واحدة الى الأبد وبصورة جذرية، المشكلة الأكثر إزعاجا للدولة اليهودية (أغلبية عربية- الكاتب) هي أكبر بكثير مما توقعنا. حيث إنه علينا، قدر الإمكان، استغلال الفرصة التي أتاحها لنا التاريخ بصورة سريعة وغير متوقعة. النتيجة: الميزان الديموغرافي في نهاية الحرب استقر داخل الخط الأخضر على نسبة 16: 84 لصالح اليهود. هذه الاستراتيجية لم يتم نسيانها، ومنذ حرب الأيام الستة هي ترافق الخطاب السياسي في إسرائيل، من أفكار الترانسفير لرحبعام زئيفي وحتى اقتراحات بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غبير.
إن فشل كل الاستراتيجيات الثلاث دفع القيادة الصهيونية الى التخلي عن الخط السياسي الأول والموافقة على التنازل عن جزء من البلاد. أيضا الآن هذه الاستراتيجيات هي غير ممكنة: نسبة اليهود الذين يعيشون بين البحر والنهر هي 48 % فقط، ويتوقع أن تنخفض الى الثلث في 2050. رفض الفلسطينيين لمبادرة ترامب تدل على أنه لا يوجد شريك فلسطيني في “السلام الاقتصادي” أو “تقليص النزاع”. والترانسفير الطوعي أو القسري لا يوجد له أي احتمال. بناء على ذلك، فإنه لبينيت والآخرين الذين يؤمنون بأن الوقت في صالحنا نقول إنه على المديين المتوسط والبعيد لا توجد أي احتمالية لهذا الخط.
في موازاة الخط السياسي الأول، فإن الخط السياسي الثاني لإقامة دولة واحدة ديمقراطية يؤيده جزء صغير من القيادة الصهيونية، أعضاء “تحالف السلام”. يهودا مغانس كتب في 1925 بأنه “يجب شق طريق تفاهم بين العبريين والعرب لخلق حياة مشتركة في أرض إسرائيل على أساس المساواة الكاملة في الحقوق السياسية للشعبين”. هذا الخط فشل لأن الواقع الديموغرافي والجغرافي في أرض إسرائيل لم يسمح بإقامة دولة مع أغلبية يهودية. دافيد بن غوريون كتب لابنه عاموس في 1937: “ما نريده ليس أن تكون البلاد كاملة وموحدة، بل أن تكون يهودية. ليس لدي أي رضا عن أن تكون أرض إسرائيل كاملة عندما تكون عربية”. هذا الفهم أدى به الى تأييد إقامة دولة يهودية على جزء من البلاد، سوية مع حاييم وايزمن الذي قال في المؤتمر الصهيوني في زيوريخ في تلك السنة: “الخيار الموجود أمامنا هو العيش كأقلية في كل أرض إسرائيل أو أن نتحول الى أغلبية في جزء من البلاد”.
الآن من يؤيدون الدولة الواحدة يتجاهلون أن الواقع الديموغرافي للعام 2022 مع إضافة اللاجئين الفلسطينيين الذين سيحظون كما هو متوقع بالعودة الى بلادهم يعني تطبيق الحلم الفلسطيني بدولة، ديمقراطية أو إسلامية، مع أغلبية عربية ثابتة.
إن فشل هذين الخطين أدى الى ظهور التقسيم كخط سياسي ثالث. بن غوريون كتب في شباط (فبراير) 1947 لوزير الخارجية البريطاني بيفين: “التسوية السياسية المحتملة والوحيدة هي إقامة دولتين، دولة يهودية ودولة عربية”. الأمم المتحدة وافقت في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 على قرار التقسيم 181، الذي لم ينفذ. يمكن التقدير بأنه لم يكن أيضا لهذا الاقتراح احتمالية كبيرة لضمان تسوية النزاع والاستقرار لأن التقسيم السياسي، الذي يتحدى من ناحية التواصل الجغرافي، رافق وحدة اقتصادية واسعة معقدة وغير قابلة للتنفيذ على خلفية العداء بين الطرفين. الآن، رغم أن الواقع معقد أكثر ومستقطب أكثر مما كان في 1947، إلا أننا نشهد تجدد فكرة الاتحاد الاقتصادي، الكونفيدرالية، بصور مختلفة، التي تهدد الحلم الصهيوني.
في السنوات الأخيرة، تسمع في أوساط الجمهور اليهودي أصوات تطالب بتبني خط سياسي رابع وإقامة دولة اثنوقراطية يهودية، أي ابرتهايد. القانونية روت غبيزون تطرقت الى ذلك وكتبت في 2009: “في المستقبل المنظور، الشعب اليهودي لن يستطيع إعالة نفسه كما يجب، ماديا وهوياتيا وثقافيا، من دون دولة يهودية. ولكن من أجل الإبقاء على دولة يهودية ديمقراطية يجب أن يكون في الدولة أغلبية يهودية كبيرة. من دون هذه الأغلبية لا يمكن تسوية التوتر بين السيادة التي هي غير محايدة، سيادة يهودية، وبين نظام ديمقراطي حقيقي يمنح حقوق إنسان كاملة لكل مواطنيها”.
هذا الفهم بخصوص فشل الخطين السياسيين الأول والثاني، وعدم إمكانية تطبيق الخط الرابع، استوعبت من قبل الجمهور الإسرائيلي اليهودي الذي يريد تطبيق الخط السياسي الثالث. في الاستطلاعات التي أجرتها الدكتورة تسيبي يسرائيلي من معهد بحوث الأمن القومي في 2021، وجد أن 53 % من الجمهور يؤيدون حل “الدولتين لشعبين” (الخط السياسي الثالث)، و61 % يؤيدون فكرة “على دولة إسرائيل أن تنفذ الآن خطوات للانفصال عن الفلسطينيين من أجل منع واقع تشكل دولة واحدة ثنائية القومية” (أي أنهم يؤيدون الخط السياسي الثالث ويرفضون الخط السياسي الثاني)، و9 % يؤيدون “دولة واحدة من دون إعطاء حقوق متساوية للفلسطينيين في المناطق” (الخط السياسي الرابع)، وفقط 5 % يؤيدون “دولة واحدة ثنائية القومية مع مساواة” (الخط السياسي الثاني). يجدر التأكيد لبينيت ولبيد أنه فقط 18 % من الجمهور يعتقدون أن “الخيار الأفضل لإسرائيل” هو “استمرار الوضع الراهن”.
هذه المواقف يجب أن تطبق في سياسة الحكومة وتلزم بأن نتبنى من جديد تقسيم كامل لدولتين (مع ترتيبات كونفيدرالية محدودة)، على قاعدة خطوط 1967. هذا البديل الذي يتناسب مع الموقف الأساسي الفلسطيني في العملية السياسية منذ 1988 تم عرضه من قبل إسرائيل للمرة الأولى فقط في انابوليس في 2008، ومات بسرعة عند انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسا للحكومة في 2009.
بينيت، الذي أدار عينيه على قبر بن غوريون وادعى بحق رئيس الحكومة الأول بسبب إخلاصه للصهيونية، يفضل التنكر للحاجة الى الانفصال السياسي عن الفلسطينيين ضمن اتفاق. ولكن لبيد يجب أن يحول تصريحات الانفصال الى أفعال وألا يضيع أربع سنوات ثمينة، فيها خطر اختفاء الشريك الفلسطيني كبير جدا. لقاءاته مع المرشحين لوراثة محمود عباس هي خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لكنها غير كافية.
المسؤولية عن سياسة التجاهل هذه، لا تقع فقط على بينيت ولبيد، بل على جميع أعضاء الحكومة الذين يؤيدون حل الدولتين مثل ميراف ميخائيلي ونيتسان هوروفيتس. الحكومة، التي بسبب التشكيلة الائتلافية غير قادرة على مواجهة المشكلة الأهم، النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، لا يوجد لها حق في الوجود حتى لو نجحت في إبعاد نتنياهو عن النظام السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock