;
أفكار ومواقف

لبيك يا أقصى

يؤكد “إسرائيل فرانكشتاين” – وهو عالم آثار “إسرائيلي”- في أكثر من كتاب له أن حفريات الآثار في فلسطين عموماً وفي القدس خصوصاً تفند أساطير التوراة، وتثبت أنها قصص قد وضعت من نسج الخيال لدعم حكايا شعبية وأيدولوجيات دينية ليس لها بالضرورة علاقة بالواقع، بل أنه يذهب إلى أنه لا حقيقة لقصة خروج اليهود من مصر وأنه ليس صحيحاً أن العبرانيين هم من بنوا الأهرامات، كما أشار “فرانكشتاين” في تصريح آخر آثار عليه غضباً شديداً بأن حفريات الآثار التي قام بها لعقود متعددة لا تؤكد حقيقة وجود النبي موسى في أرض فلسطين، وهو يُكـذِّبُ مسألة أن غزواً شاملاً عبرانياً جاء فلسطين من خارجها، ويشير إلى أن الوجود العبراني هو نبتٌ محلي من لدن الوجود الكنعاني في المنطقة، ذلك الوجود الذي هو أقدم من أقدم القصص والوقائع التوراتية.
هذا العلم وهذه الحقائق التي يقول بها علماء آثارهم لم تغير من نهج “اسرائيل” التهويدي للقدس وفلسطين شيئاً وليس لها أي قيمة عملية على الأرض، ذلك أن ما يسيطر على العالم اليوم هو لغة القوة وليس لغة الحق، وأن ما يصوغ التاريخ والواقع والمستقبل هي إمبريالية عالمية حولت الاستعمار الى مؤسسات دولية فاعلة تديرها الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا، التي هي الحليف المتماهي مع “إسرائيل”، ليس فقط في زمن الإدارة الحالية وإنما منذ تأسيس “إسرائيل”، ذلك أن الإدارة الحالية قد نقلت حلفها مع “إسرائيل” من حالة التحالف “بين دولتين” إلى حالة التماهي في المواقف العسكرية والسياسية والاقتصادية مع “إسرائيل”.
لبيك يا أقصى، هذا النداء الذي يردده الفلسطينيون العُزَّل، إلا من تعلقهم بالحرية والكرامة والعدالة، ومع قيمة هذا النداء المعنوية العظيمة، إلا أنه وعلى أرض الواقع وأمام التخاذل العربي والبطش “الإسرائيلي” والصمت الإسلامي لم يوقف العمل الدؤوب الحثيث الذي تقوم به “إسرائيل” لتهويد القدس، فالقدس تقبع اليوم تحت السيطرة الأمنية “الإسرائيلية” الكاملة، وهي مقسمة مكانياً؛ حيث خصصت”إسرائيل” أماكن معينة داخل باحات المسجد الأقصى لممارسات المستوطنين، وقسمته زمانياً بتخصيصها أوقاتاً محددة لدخول الفلسطينيين، وأخرى لدخول المستوطنين، وهذا بالضبط ما فعلته سابقاً في الحرم الإبراهيمي الشريف كذلك.
الحركة الإسلامية في الداخل بقيادة الشيخ رائد صلاح كانت تقوم بدور عظيم في الدفاع عن الأقصى ومنع تهويده، لكن “إسرائيل” بطشت به وبرفاقه، ومنذ العام 2015 منعته ورفاقه والمرابطين والمرابطات من دخول الأقصى، كما واصلت “إسرائيل” حفرياتها تحت المسجد الأقصى قرب السور الغربي حتى وصلت إلى عمق خمسة أمتار تحت الأرض، ومترين أو أكثر تحت أساسات المسجد الأقصى مباشرة. هذا كله على مرأى ومسمع من العالم العربي والإسلامي.
جهود الأردن وتمسكه بالوصاية الهاشمية تحاول المستحيل لحماية الأقصى ووقف عملية تهويده، وهو العمل الوحيد الذي يبذله العرب اليوم خدمة للقدس والأقصى، ولا جدال أن الأردن يدفع سياسياً واقتصاديا ثمناً غاليا لمواقفه في الدفاع عن الأقصى، بعد أن أصبح هناك توجها عربيا نحو التطبيع المجاني مع “إسرائيل”، واستبدال العداء لمشروعها “الصهيوني” بنزاعات اقليمية أخرى.
انهيار المسجد الأقصى نتيجة الحفريات “الإسرائيلية” أو إن هيأت “إسرائيل” ظروفا اخرى لهذا الانهيار لا سمح الله، لن يكون انهيارا لمسجد، أو لأثر إسلامي مقدس فقط، بل سيكون انهياراً لمعلم حضاري، وإعلاناً بشعاً لانتصار العقل الاستعماري الصهيوني. الأقصى ليس رمزاً دينياً فقط بل هو عنوان معركة ضد احتلال واستعمار الشعوب وهيمنة شريعة الغاب، وهو بهذا المعنى عنوان للنضال من أجل العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ونضال من أجل الدولة المدنية الديمقراطية المعاصرة التي تنتصر لمبادئ الحق والعدل وحق الشعوب في تقرير المصير. رغم الإحباط الشديد فإن نصرة الأقصى ونداء لبيك يا أقصى هو نداء يتبناه كل دُعاة الحرية والحق والعدالة والدولة المدنية. فاهم علي جنابك!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock