فكر وأديان

“لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا”

د. محمد المجالي

حين ينطق القرآن بالحقيقة ينبغي أن يكون الاستسلام المطلق لها، خاصة إن كان النص واضحا في دلالته، بل تعضده نصوص أخرى، بل تبينه وقائع عملية تاريخية، إنْ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو في تاريخنا القديم والمعاصر، وإن استدعت الظروف استثناء فلا يجوز أن يبقى هو الأصل، بل مرحلة عابرة ينبغي التخطيط لما بعدها، هذا إن كنا أهل مسؤولية حقيقية، وإن كنا نحسب للأمور حساباتها الصحيحة الواقعية.
ولا بد من تذكّر سنة المدافعة حيث الصراع بين الحق والباطل، ولكل جولته حسب قوة الجانب الآخر أو ضعفه، ومن لحظة أن أمهل الله إبليس بالبقاء إلى يوم القيامة، امتحانا للناس، ليكون أحد أعداء ثلاثة للإنسان: هو والنفس وأهل السوء، فإننا نتوقع سجالات بين الحق والباطل، ولا بد من الدفع، وفي الدفع قوة بمفهومها الشامل، قوة إيمانية وعقلية وبدنية وشمولية، مع يقظة وحذر وحسن تخطيط، هكذا يفعل أعداؤنا ونحن غافلون تائهون في ملذات الحياة وشهواتها، العالم يتطور وينزع إلى القوة والتقدم العلمي والنهضة الشاملة، ونحن ننهض باستيراد ما عندهم والاتكال عليهم والتبعية لهم، وفوق هذا غرق في انفتاح على الشهوات وجرأة على الدين والعادات والأعراف.
جاءت هذه الآية: “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا..” مطلع الجزء السابع، وهي في سورة المائدة الحافلة بالحديث عن أهل الكتاب عموما، والنصارى خصوصا، ولعل اسمها يدل عليها، حيث المائدة التي أنزلها الله من السماء استجابة لدعوة عيسى عليه السلام، ودعوته كانت استجابة أيضا لرغبة الحواريين، لتكون آية قاطعة على صدق عيسى عليه السلام: “إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء، قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين. قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعدُ منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين”، وعادة بني إسرائيل عموما أنهم لا يؤمنون إلا بوجود الأدلة المادية الحسية، فكان هذا الطلب، وتكرر كثيرا في قصة موسى عليه السلام مع قومه.
حفلت هذه السورة بالحديث أيضا عن اليهود، وزيغهم وجحودهم ومراوغتهم وإعراضهم عن كتابهم التوراة، وجزء من هذا كان سيرة عملية مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خانوا ميثاق المدينة، ونقضوا عهودهم معه، وكانت قبائلهم الثلاث المشهورة: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكان موقفه صلى الله عليه وسلم حازما معهم، كلما نقضوا عهدا عاقبهم، فأخرج بني قينقاع حين هموا بكشف عورة امرأة قُتِل على إثرها أحد المسلمين، وأجلى بني النضير حين تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم، وقاتل بني قريظة حين نقضوا عهدهم في حصار الأحزاب للمدينة وتعاونوا معهم.
والشاهد هنا أن هذه هي سيرتهم، لا أمان لهم، وهم من ينقض العهود، وهم من يبدؤون العداوة، حتى ما سيكون بينهم وبين المسلمين في أواخر علامات القيامة الصغرى، فحديث ابن عمر المشهور بدقته في تتبع اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “تقاتلكم يهود، فتقتلوهم..”، فهم الذين يبدؤون، وهم الذين أثبتت الأيام لنا عيانا لا رواية، ما قاموا ويقومون به من نقض للعهود، وعلو في الأرض، وظلم وسفك للدماء، وجرأة على الباطل وتهجير أهل الأرض المباركة، وما كان لهم هذا إلا بحبل من الناس وحبل من الله، لأننا هُنّا على الله، فهنّا على أعدائنا، وما كان المسلمون عموما والعرب خصوصا في ذلة وشلل إرادة وهوان وتحكم كامل للأعداء بهم إلا في هذا الزمن، وليت الأمر ينتهي هنا! بل هناك من يريد المزيد من الخنوع وشرعنة كل هذا الظلم الذي نراه.
لا نستغرب ما قامت به يهود ومعهم المسيحية الصهيونية، وإن بقينا هكذا سنتوقع المزيد من جرأتهم، والمزيد من هزيمتنا، ونلحظ كيف يلعب هؤلاء بمقدرات الأمة، ويلهونها بالحروب والنزاعات، ونحن في فرقة وشتات، وإن قام شخص أو مجموعة من الغيورين على الدين والأمة والأرض والعرض لينبهوا الناس ويرشدوهم إلى الجادة، فالأمر لا يحتاج تلك القوى لإسكاتهم وزجرهم وإيذائهم، بل إن بني جلدتنا جاهزون لقمعهم وتخوينهم واتهامهم بأنهم ضد التيار، ولا بد من الرضى بالواقع!!
الأمة بحاجة إلى صفعة قوية لتصحوا وتدرك حجم الضرر الذي أصاب بنيانها الفكري والأخلاقي والقيمي، حين تخلت أو نامت أو تعامت عن الحقيقة، ومع هذا فلا يأس، وسأذكر مثلا واحدا يبعث الأمل، فالتتار الذين عاثوا في الأرض فسادا وقتلوا من أهل بغداد وحدها مليون شخص، وكان المسلمون في غاية الوهن، كان هذا في سنة 656ه، فما كان من قوم مماليك إلا أن استعادوا شرف الأمة بعد عامين فقط، فكانت عين جالوت في 658ه، والموقع في فلسطين، والعبور من الأردن، وقبلها كانت حطين، في فلسطين، والعبور من الأردن، بل مصانع السلاح وبناء القلاع والتهيئة كانت هنا في الأردن،، وستكون الملحمة الكبرى من هنا أيضا، نحن شرقي النهر وهم غربيه، ولن تخذلنا نصوص ديننا، فالواقع يصدقها، وزوال إفساد بني إسرائيل حتمي بنص القرآن، ولا بد من بناء جيل النصر، عباد لله أولو بأس شديد، بإيمانهم ووعيهم وأخلاقهم والتزامهم، وغير هذا لهو ولعب ومضيعة للوقت وهدر للطاقات، فاعتبروا يا أولي الألباب.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock