تحليل إخباري

لجنة تطوير التوجيهي: هل ولدت ميتة؟

د. منصور المطارنة

ما يزال مصير مخرجات لجنة تطوير التوجيهي (تمّ تشكيلها بشهر آب العام الماضي) تلقى اهتماما من شريحة كبيرة من المجتمع الأردني كون الجميع معني بهذا الملف الحيوي بدرجة كبيرة. وبالرغم من أن مصيرها النهائي غير معروف بعد، إلا أن هناك من قال بان توصيات هذه اللجنة ولدت ميتة ومصير مخرجاتها بالأدراج كما غيرها. وهناك من يقول بأنها ما تزال تحت الدراسة والتمحيص بالوزارة، وهناك من يقول بأن توجهات مجلس التعليم وأولوياته قد تغيرت، وهناك من يؤثر الانتظار ولا يطلق أحكاما مسبقة.
لكن أود أولا أن أؤكد من قناعاتي الشخصية بان هناك توجها جادا من أجل تطوير التوجيهي والمناقشة الجادة للخروج بتوصيات ترضي الجميع، وما يؤكد ذلك أيضا هو حديث الوزير الحالي لوزارة التربية والتعليم معالي الدكتور وجيه عويس، وفي أكثر من مناسبة بوسائل الإعلام، بأنه معني ويؤمن بتطوير التوجيهي وآلية الاختبار والتقييم ضمن مصفوفة إصلاح شاملة، كيف لا وهو يعتبر مهندس الخطة الاستراتيجية لتنمية الموارد البشرية 2016-2025، وهذا التوجه أحد أهم توصيات هذه اللجنة الداعية لتطوير التوجيهي.
وقبل الحديث عن بعض الملاحظات والمآخذ على عمل اللجنة وتوصياتها، لا بد أن نقدم الاحترام والتقدير لأعضاء هذه اللجنة وعلى جهودهم واجتهاداتهم المقدرة، ونود أن نؤكد على ما كتبته سابقا بان إصلاح التعليم هو أساس الإصلاح الشمولي وليس بأقل من الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، حيث تكمن الأهمية القصوى للتوجيهي بانه يحدد أمرين مفصليين وهما انه اولا يعتبر نهاية مرحلة دراسية استمرت لمدة 12 عاما، وثانيا بانه المعيار الوحيد للقبول الجامعي. لكن بالمقابل هناك من هو مؤمن بان التوجيهي هو الأفضل حالياً لأنه يتمتع بمصداقية عالية، ومعيار أساسي للقبول الجامعي.
المأخذ الكبير على رفع مخرجات هذه اللجنة إلى مجلس التربية والتعليم لمناقشتها وإقرارها أنه فيه خلل كبير حيث إنّ هذه التوصيات هي نتاج لمجموعة من الخبراء (عددهم 10)، مع التقدير لهذه القامات التربوية، إلا أن هذا الأمر هو قضية عامة معني فيها الجميع، لذا وللأسف لم يتم استشارة وأخذ التغذية الراجعة ورأي أصحاب المصلحة بالأساس وهم الطلبة، والمعلمون، والأهالي، وأصحاب الخبرة والمعرفة. الأمر الوحيد الذي تم تنظيمه هو جلسة نقاشية مصغرة حول «تطوير امتحان شهادة الثانوية العامة» في مركز الدراسات الإستراتيجية – الجامعة الأردنية، بالتعاون مع المجلس الأعلى للمركز الوطني لتطوير المناهج. حيث أعتقد بأن العدد كان بحدود 50 مشاركا بعضهم وزراء سابقون ورؤساء وزارات وبعض المختصين. هل هذا العدد كاف للخروج بتوصية نهائية مثلا بأن يتم احتساب علامات التوجيهي على مدار عامين؟
لا بد من طرح كل الخيارات التي تم عرضها وتداولها بين أعضاء اللجنة وكيف تمّ اختيار أفضلها، غريب «سريّة» مراحل النقاش والتي يفترض ان تعلن لأخذ تغذية راجعة لحظية! قد يكون هنالك رأي صائب أو فكرة ما تظهر للعيان ومن خلال منصات التواصل المختلفة وقد تكون إضافة نوعية. والأهم هنا، لماذا لم يتم عرضها على أصحاب المصلحة جميعهم من خلال استبيانات إلكترونية وتصويت؟ لماذا لم تنظم الندوات أو مؤتمر وطني موسع حتى نصل إلى قرار نهائي يشارك الجميع باتخاذه، هذا هو الإجراء الأمثل لضمان جودة القرار المتخذ.
نحن مقتنعون بأنه يجب ان تكون هناك نظرة شاملة للتطوير لإصلاح قطاع ونظام التعليم العالي، والأهم هو تحسين المدخلات قبل التفكير بالمخرجات. وهنا لابدّ أن أؤكد على أهمية تطوير امتحان شهادة الثانوية العامة وأورد أهم المبررات لذلك:
*الغالبية العظمى من المواطنين يتفقون على أن القبول يجب ألا يكون محصورا بنتيجة امتحان واحد بعد 12 عاما من الدراسة.
*هو جزء من الإصلاح في نظام التعليم العالي، لأنه فيه إضافة وتحقيق الميول والاتجاهات، على عكس التوجيهي الذي يعطي معيار تحصيل دراسي لما تمّ دراسته.
*الإيمان والحاجة لإعادة النظر بكافة مراحل التعليم، وذلك لتلبية رغبة وشغف وميول الطلبة، الطالب هدفه اختيار التخصّص حسب ميوله وقدراته واتجاهاته.
*ما يزال التوجيهي يشكل حالة من القلق الكبير، حيث إن النجاح في التوجيهي يعتبر مفتاح النجاح في الحياة، ما يضع الأهل والطلبة أمام عبء نفسي كبير، حيث إن العائلة تعلن حالة الطوارئ بالبيت، لذا التخلص من رعب التوجيهي والذي يؤرق الجميع أصبح مطلبا ملحا لدى الغالبية العظمى من الناس.
*التخلص من العبء المالي الذي يرافق هذه السنة وتبعات الدروس الخصوصيّة.
*اهتمام الطالب بكل الصفوف الدراسية، وبالأخص إهمال التحصيل بالأول الثانوي الذي يعتبر مرحلة عبور.
*يعالج مشاكل الطلبة الاستثنائية من مرض وظروف استثنائية خاصة.
*الطالب يشعر بإطمئنان كون التوجيهي ليس المعيار الوحيد لقبول الجامعة وتوفر فرص أخرى مثلا للتعويض.
أنا واثق بأن اللجنة درست أكثر من خيار ووضعت بدائل كثيرة عن التوجيهي، لكن يبقى السؤال المطروح بين الجميع لماذا فقط تمّ الاتفاق على خيار نهائي وهو أن يتم احتساب علامات التوجيهي على مدار عامين. يستحق الجميع ان يعرف مبررات هذا الخيار النهائي لإقناع الجميع بهذا الطرح وأهميته. وهنا أورد بعض البدائل التي لم تذكر سابقا:

  • لماذا لا تحتسب لآخر ثلاث سنوات، من الصف العاشر مثلا! وهذا برأيي يخلق معايير أفضل في تكافؤ الفرص.
  • قبل سنتين كان هنالك توجه لأن تكون علامة امتحان التوجيهي 60 % وعلامة 40 % اختبار قبول جامعي يقيس اتجاهات وميول وقدرات الطلبة. ومرة أخرى نسأل لماذا هذه النسبة مثلا؟ من المسؤول عن الاختبار؟ هل هي وزارة التربية والتعليم ام مركز وطني للامتحانات ام الجامعات؟
  • لماذا لا يتم مثلا احتساب علامات الصفوف الثلاثة الاخيرة كمعيار قبول بحيث يتم توزيع العلامات للقبول بـ 30 للعاشر
    و 30 للأول الثانوي و40 للسنة الأخيرة. وهنا يقترح البعض ان يكون التوزيع كالتالي: 25/25/25 و 25 علامة لامتحان يقيس اتجاهات وميول وقدرات الطلبة.
  • اجراء امتحان التوجيهي مرتين في العام، بحيث يتم اختيار إحدى هذه المواعيد والتي تناسب الطالب للتقدم للامتحان.
  • قبول الطلبة فقط في الكليات بالسنة الأولى (السنة التحضيريّة)، يتم التوزيع حسب التحصيل الدراسي وبمعايير وشروط وتوزيع نسب التفريغ حسب ثلاثة معايير هي: (1) الرغبة (كيف تقاس وبأي نسبة)، (2) المعدل التراكمي (3) مقابلة يجريها القسم.
  • توزيع المواد الدراسية على عدة فصول وبنسب محددة وتوزيع الطلبة حسب رغبتهم في دراسة حزم أو مجموعة مباحث دراسية محددة. وهنا التفصيلات والخيارات كثيرة.
    أخيرا، مقتنع بأنه لن يتم إلغاء امتحان التوجيهي بشكل كامل، هذا أمر غير وارد. ولابد ان أذكر بأنّ تطوير التوجيهي يجب ألا يكون بعيدا وبمعزل عن تطوير التعليم المهني والتقني، التطوير يجب ان يكون بالتزامن من خلال نظرة شمولية للتعليم العام والمهني. ونتمنى على المعنيين بالتفكير باستحداث مركز وطني للقياس والتقويم يشرف على تنظيم الامتحانات الوطنية، والاهتمام في كيفية إعداد الاختبار. وأختتم بتقديم الاحترام والتقدير لمن يعمل بجد وإخلاص للنهوض في قطاع التعليم العام والعالي ومن يحافظ على سمعة التعليم بالوطن الأغلى.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock