أفكار ومواقف

لحظة الحقيقة المصرية.. العربية

مع الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، بدا لقلة أو كثرة، غير مبرر التشاؤم بأن مصر مرشحة للعودة إلى عهد ما قبل “ثورة يناير” 2011 أو حتى قريباً منه. وسبب هذا “التفاؤل” النظري، كان ببساطة، حاجة مصر الأكثر من ماسة، للشروع في إصلاح اقتصادي لا تزداد متطلباته إلا قسوة على المستوى الشعبي مع كل يوم يؤجل فيه، وشرطه الأول والأساس بالتالي، تنفيذاً ونجاحاً، هو قبول أغلبية الشعب المصري بدفع الثمن المرحلي المرتفع حتماً، لأجل مستقبل أفضل.
طبعاً، ثبت أن التفاؤل السابق خاطئ تماماً. أما الأسوأ، فهو استمرار سببه أو أسبابه. إذ رغم تدفق المساعدات العربية خصوصاً، منذ تموز (يوليو) 2013، بحيث يقدر مجموعها بـ23 مليار دولار، لم يعد أمام مصر اليوم إلا مواجهة حقيقة أن لا مفر من إصلاح اقتصادي قاس، شرطاً للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، بموجب اتفاق مع صندوق النقد الدولي، مع إعلان الحكومة المصرية نهاية الشهر الماضي أنها تحتاج فعلياً إلى 21 مليار دولار خلال الفترة ذاتها. ويمكن الاستدلال على قسوة البرنامج المزمع تنفيذه في الدعوة -غير المعتادة على الأقل- من “الصندوق” عقب اتفاق يوم الخميس الماضي، “شركاء مصر إلى مساعدتها في هذه الفترة الحرجة”. فحتى أشد الحريصين على دعم مصر، أياً كانت أسباب ذلك، يبدون حريصين في المقابل، بأحسن الأحوال، على وجوب خضوعها لإصلاح اقتصادي بإشراف دولي، وإلا لما تركوها توقع اتفاقاً مع صندوق النقد.
طبعاً، من المعروف تماماً، استناداً إلى تاريخ برامج “الإصلاح الاقتصادي” الدولية، أن ثمنها يدفعه أساساً الفقراء وذوو الدخل المحدود والمتدني، لاسيما نتيجة سياسات إلغاء الدعم للخدمات والسلع الأساسية. وقد أعلنت مصر فعلاً، يوم الاثنين الماضي، زيادة في أسعار الكهرباء تتراوح بين 35 % و40 % للشرائح الثلاث الأولى الخاصة بمحدودي الدخل. لكن المؤشر الأكثر لفتاً للنظر في الحالة المصرية تحديداً، فهو الجدل بشأن قانون الخدمة المدنية الجديد، الذي يعد أحد متطلبات الإصلاح الاقتصادي، لكنه يمس فعلياً -كما أشار متخصصون- البيروقراطية المصرية التي تشكل إحدى ركائز الدولة العميقة المؤيدة للرئيس عبدالفتاح السيسي. وهو ما يفسر رفض البرلمان المصري -الموالي في غالبيته الساحقة للسيسي- لهذا القانون بداية العام الحالي، قبل العودة إلى الموافقة عليه في تموز (يوليو) الماضي. ولتكون النتيجة، المصرية، هي تقلص القاعدة المؤيدة لبرنامج الإصلاح، على النقيض تماماً لما هو مطلوب بشكل حتمي.
أما النتيجة الأوسع، أي عربياً، فتتمثل في حقيقة حتمية الإصلاح الاقتصادي والسياسي، بشكل متلازم متزامن. بغير ذلك، يكون الأمر بمثابة تضييع وقت وليس كسبه، إلى حين استحقاق دفع الثمن الباهظ جداً، ليس للشعوب فقط، بل أيضاً للأنظمة. فإذا كان معادلة الأمس التي لم تعد ممكنة أبداً هي “خبز مقابل الحرية”، فالأدهى أن المطروح الآن من قبل أنظمة عربية هو “لا خبز ولا حرية”! ثم يأتي من يحدثك عن مؤامرة كونية!

انتخابات 2020
12 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock