أفكار ومواقف

لدينا الفلسفة.. الحلّ المُجرَّب..!

أرادت منظمة اليونسكو تخصيص الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام يوماً عالمياً للفلسفة للتأكيد على قيمة هذا الحقل المعرفي في “تطوير الفكر الإنساني، ولكل ثقافة وكل فرد”. وتعتنق المنظمة الفلسفة باعتبارها “الاستنطاق النقدي الذي يمكنها من إضفاء معنىً على الحياة والفعل في السياق الدولي”.
شكراً لليونسكو على عنايتها المستحقّة بالفلسفة، واعتناقها لها كفكر وطريقة عمل. لكنّ من المؤسف حقاً أن الكثير من الأمم –ونحن في أولها- تعامل تزكية اليونسكو للفلسفة بازدراء مطلَق. بل إن الفلسفة تعامَل من موقع العداء، بالتحديد لأنها ذلك “الاستنطاق النقدي” الذي تكرهه المنظومات السكونية المَعيبة التي ستتفكك وتتداعى أمام مثل هذا الاستنطاق. ومن المؤسف حقاً، في حالة العرب بالتحديد، أن يجري تجاهل الأدوار المصيرية التي لعبتها الفلسفة في تعريف أطوار حضارتهم، سموًّا وانحدارا، انتهاء إلى هذا الطور المتدهور الحالي، الذي تشكل معاداة الفلسفة سببا ونتيجة في تكوينه.
أعجبني تحليل كتبه طالب دكتوراه في جامعة نيويورك للأدوار الحاسمة للفلسفة في مسيرة الأمة الإسلامية، والذي يعقب فيه كيف استطاع فيلسوف واحد، الغزالي، تغيير المسار والمآل، بعيداً عن المنهج العلمي، وفي تجاه تأويلات تنكر التجريب، وتنفي السببيّة، وتحارب استخدام المنطق في العالَم الفيزيائي. وقد حلَّ المؤولون الذين ابتكر بعضهم المذاهب الإقصائية المتشددة محل الفلاسفة الذين كانوا في معظمهم علماء وأطباء ورياضيين، ليصبح هذا هو الناتج الفكري الوحيد المسموح والشاغل الوحيد.
كتب خان، مُذكّراً بما رواه لنا التاريخ والذي يسنده المنطق: “بعد فترة وجيزة من تأسيس الخلافة العباسية، تعلم المسلمون فن صناعة الورق وأنشؤوا مصانع له في بغداد وسمرقند. ومكَّنت مصانع الورق المسلمين من ترجمة الفلسفة اليونانية -إلى جانب الهندية والفارسية- إلى اللغة العربية، وفهم العالم بتوظيف هذه المجموعة المتنوعة من الأفكار.
“على الرغم من أن الدِّين كان وكيلاً للتغيير، فإنه لم يردع المسلمين عن الانخراط في مناقشات فلسفية انبثقت من أعمال أرسطو وأسلافه وخلفائه. وكان أرسطو يُعتبر “المعلم الأول” في العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن… كانت التحقيقات العلمية المبكرة التي أجريت في العالم الإسلامي… مدفوعة بالسّعي إلى المعرفة… وكان معظم الفلاسفة والعلماء في الفترة المبكرة مسلمين ملتزمين ممارسين، لكنهم كانوا أيضاً منفتحين على مجموعة متنوعة من النصوص الأخرى. كان السبب وراء التحليق العلمي للمسلمين في الفترة المبكرة هو عدم تدخل الدين في الاختبارات العلمية البحتة. وكان الفارابي وابن سينا هما المثالَان الأبرز، واللذان ظلا فيلسوفين مسلمَين مثاليين، لكنهما ساهما أيضاً بشكل هائل في تطوير العلم”.
لم يُنكر -حتى تاريخنا الرسمي الذي لا بُدّ أنه كان مراقَباً- أن الحضارة الإسلامية في وقت تفوقها كانت منفتحة بحماس على دراسة الآخر، برؤاه التأملية الروحية، ومكتشفاته المادية على حد سواء. ربما كان الإغريق والهنود والفرس يُعتبرون “كُفاراً”، لكنّ ذلك لم يحظر إمكانية الاستفادة من مناهجهم العقلية وتحقيقاتهم المادية ومناقشتها وتطويرها. وفي الحقيقة، كان ذلك الانفتاح هو الذي أسس للفتوحات الفكرية والعلمية الخاصة في العالم الإسلامي. وقد يستنتج المرء، منطقياً، أن الإسلام في شكله الأصلي كان مختلفاً جوهرياً عن الصورة التي صنعتها التأويلات المنغلقة والانتقائية التاريخية. ولو كانت الأصول تتعلق بالشكل والملابس والعمامات، لتعثّر مشروعه الفكري والمادي وأكل نفسه وأكله الآخرون.
مع ذلك، تآمرت هذه الحضارة على نفسها عندما تحولت إلى الانغلاق، وانتخاب تأويلات محلية لا يصعب العثور على صلتها بأطماع السلطة التي لم ترَ مصلحة في التغيير، فتذرعت للثبات بالغيبيات واستبدَّت بالنقد والاستنطاق، وشكّكت في المناهج العلمية. ومن هناك بدأت رحلة الانحدار إلى هنا، حيث لا يقين من شيء؛ فلا نظرية فكرية متساوقة متجانسة، ولا رؤية عالمية مشتركة واعية، ولا مُنجز علميا يُعتد به، ولا عقل مؤهلا لاستيعاب الأحداث وإشراك الناس في العالَم الواقعي.
من أسوأ التناقضات الاعتراف بالدور المدمر الذي صنعته التأويلات الانعزالية الإقصائية، إلى حد إنتاج العنف الفكري والفيزيائي الذي نشهده الآن، بينما يتواصل العداء للفلسفة كوسيلة مجرّبة لفتح العقل وتحصينه ضد التعصب ودعاته، والاشتغال بما ينفع الناس. وإذا توفر حسن النية للإصلاح، فإن إحدى الوسائل ستكون القيام بالقفزة الضرورية للإفلات من كلابات التخلف، بتدريس الفلسفة والسماح بتعلُّم النقد والاستنطاق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock