أفكار ومواقف

لعبة القمار الكبرى

هل تحوّل توظيف الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى جزء من اللعب على المكشوف في إدارة الصراع على مستقبل الدول والكيانات الهشة، وتلك التي أنهكتها التحولات غير المكتملة؟ الأخبار المتتابعة من المشرق العربي، تشير بكل الأصابع إلى لعبة قمار جديدة، ليس في مواجهة هذه التيارات المتطرفة، بل لتقوية بعضها على بعض. ويبدو ذلك في الحرب على تنظيم “دولة الإسلام في العراق والشام” (داعش)، الممتدة من الأنبار شرق العراق إلى حلب شمال سورية.
الإرهاب والتطرف عملة واحدة، وإن تعددت الوجوه. لكن إدارة الصراع في الشرق الأوسط تعيد اللعبة نفسها منذ نحو ثلاثة عقود؛ بإعادة إنتاج التطرف مرة أخرى. إذ يبدو أن تفاهمات إقليمية غربية قد وصلت إلى خلاصة مفادها عدم الاستمرار في الرهان على “الجيش الحر”، بعدما تراجع حضوره الميداني بشكل كبير، مقابل إعادة تهيئة وتمكين تنظيم “الجبهة الإسلامية” الذي يقاتل اليوم تنظيم “دولة الإسلام”. وتبدو عملية الإحلال الاستراتيجي واضحة، في تزامن هجوم الجيش العراقي على “داعش” في الأنبار والرمادي، في نفس الوقت الذي شنت فيه الجبهة الإسلامية وثوار سورية هجومهما في حرب اقتتال الجهاديين، بينما هناك تحييد شبه ممنهج لجبهة النصرة.
يبدو هذا المشهد واضحا في إعادة الارتكاز على القوى المتطرفة، على الرغم من شدة غلواء الخطابات ونزقها المتبادل. ما يجعلنا، في لحظة، وكأننا أمام لعبة قمار كبرى، تتشابك فيها الأدوار وتتداخل فيها الساحات، وتتبادل فيها البنادق، وتُستعار الحناجر وأوراق اللعب أيضا!
في نظريات الألعاب السياسية التقليدية، يتم رصد سلوك اللاعبين، بكل ما يحمله هذا السلوك من أفعال ودلالات رمزية، ضمن محاولة توقع الخطوات القادمة. وقد يشير هذا الرصد إلى مدى وجود صيغ من التفاهمات الداخلية الصامتة بين أطراف اللعبة. فاللعبة السياسية عملية تقنية في الأصل؛ حتى تستمر، تحتاج الى حدود دنيا من التفاهم على قواعد محددة للعب، بينما تتعدد مستويات وضوح هذه القواعد أو غموضها، فقد نصل إلى مستوى التفاهم الصامت. كيف نفسر التفاهم الصامت في مهادنة جبهة النصرة؟ وكيف نفسر التفاهم الصامت بشأن إعادة تأهيل هذا التنظيم المتطرف على حساب الآخر؟ هناك ألعاب سياسية ساكنة، إذ على اللاعبين القيام بتحديد وإعلان استراتيجياتهم وخياراتهم مرة واحدة وفي  الوقت نفسه، وهي سمة الألعاب السياسية المنجزة التي تغلفها الأهداف الأيديولوجية. وهناك ألعاب سياسية ديناميكية غير مكتملة، للاعبين أن يتخذوا فيها قراراتهم الواحد بعد الآخر، بمعنى وجود استراتيجيات غير مكتملة، وبدائل يحدَّد اختيارها على أساس خيارات الطرف الآخر.
واللعبة هنا ليست لعبة شطرنج، تجعل من يقدم على الخطوة الأولى الأكثر فرصة بالفوز باللعبة بأكملها. فاللعبة السياسية المنقوصة، تشير الى نقص المعلومات، وغموض قواعد اللعبة، ما يجعل سلوك أطرافها يتسم بعدم اليقين؛ أي إن طرفا من أطرافها ليس له علم كامل بنوايا منافسيه، وربما بعض حلفائه.
عدم اليقين، يعني إطالة عمر الأزمات السياسية والاستراتيجية، ورغبة بعض الأطراف في المزيد من الوقت قبل حسم خياراته. ولكن، ربما تكون هذه العملية تقنية متفقا عليها لتحقيق المزيد من المصالح. وهذا ربما هو التحول الراهن في صراع الجبهات والجهاديين في سورية؛ أي حرب مفتوحة، كل يوم تدخلها أطراف جديدة وتخرج منها أخرى، كأنها لعبة قمار كبرى.

basimtweissi@

basim.tweissi@alghad.jo

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
48 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock