أفكار ومواقف

لعلهم لأهمية الفنون يدركون

كادت القيامة تقوم على المدرسة أو بعض المدارس التي فرحت وأفرحت تلاميذها أو تلميذاتها بالموسيقى والغناء والرقص، بزعم أن الفنون محرمة في الإسلام، وممارستها تخدش حياء المجتمع وتعارض وظيفة المدرسة.
بينت في مقالات سابقة أن الإسلام لا يحرم الفنون، وأن تعليم الفنون في المدرسة والجامعة ضروري لصحة نفسية للفرد والمجتمع، ولكن الذين يعارضون لا يقرأون لأنهم يخشون تغير موقفهم، وبين أمثالهم وأتباعهم قد يُلامون. ومع هذا نعيد مخاطبتهم فلعلهم يدركون أهمية تعليم الفنون وممارستها للصحة النفسية أو العقلية في المدرسة والمجتمع.
لنأخذ الرقص وهو أكثر ما يحرمونه، فمنذ أقدم العصور إلى اليوم والراقصون والراقصات يعبرون عن أفكار، وقصص، وإيقاعات بوساطة أجسامهم وهم في كل مرة يستخدمون أساليب وأشكالاً من الرقص التي تسمح لهم بالحركة الحرة والتعبير الجسدي عنها. وهكذا نشأت لكل شعب أو إثنية رقصتها أو رقصاتها الخاصة، وبرع المبدعون في ابتكار رقصات جديدة تمارس في العالم كله.
ولما تبين للمربين أن تعليم الرقص في الروضة والمدرسة ضروري كتعليم الآداب والعلوم، فقد أضافوه إلى المنهاج، وألفوه بالكتب، وأفردوا له حصصاً خاصة تتجلى في النشاطات المدرسية.
أما علماء النفس فقد أوصوا بأن يبدأ تعليمه وتعلمه مبكراً، فرقص الباليه – مثلاً – يستحسن أن يبدأ تعليمه وتعلمه بين سن الخامسة والثامنة بمعلم/ة خصوصي أو في مدرسة لتعليم هذا الرقص. ولإتقانه والاحتراف به يقضي المتعلم/ة ثماني ساعات في اليوم في الصف والتدرب، بدءاً بالإحماء وانتهاء بالتبريد، وبه يحافظ على اللياقة البدنية الخاصة به، والجاهزية لأدائه على المسرح.
ويمارس الرقص في كل مجتمع وعند الجنسين وجميع الأعمار، ولأنه كذلك فقد أدخل في المدارس، وفتحت له مدارس وبرامج جامعية خاصة به، ففي أميركا – مثلاً – توجد برامج رقص جامعية يحصل بها الطالب/ة على بكالوريوس أو ماجستير. وتعتمد “النقابة المدرسية القومية للرقص” أكثر من ستين برنامج رقص في الجامعات.
والخريجون والخريجات قد يحترفون الرقص لفترة عمرية معينة، أو يعملون في فرقة أو جماعة، أو قد يعملون معلمين ومعلمات للرقص في رياض الأطفال والمدارس، أو مدرسين ومدرسات في الجامعات.
ولأن برامج الرقص صارمة، فإن الراقص/ة يحتاج إلى تعلم الانضباط الذاتي، والصبر، والمثابرة، والتوازن النفسي، واللطف كي ينجح في هذا الميدان. كما يترتب عليه امتلاك مهارة حل المشكلات، والعمل في فريق، بالإضافة إلى صحة جيدة وجسم ممشوق متمتع بالمرونة والسرعة والتناسق والإحساس بالإيقاع، والتفاعل مع الموسيقى، والقدرة المبدعة للتعبير عن نفسه بالحركة، وهي ميزات قلما يحصل عليها غيره في مهن أخرى.
أما التقدم الذي يحصل عليه الراقص/ة فيتمثل بالشهرة الصاعدة، وبمزيد من فرص العمل، وأدوار أعلى في الفرقة، وبدخل مرتفع.
وعند عمر معين تتراجع قدرته فيه على مواصلة الأداء الرفيع الذي بلغه، قد يعمل منظماً لحفلات الرقص، أو مدرباً/ة معلماً/ة في مدرسة أو في التمثيل، أو الإخراج، أو ابتكار رقصات جديدة.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا نحرم أطفالنا في المدرسة من تلك الميزات للرقص والمهارات الحياتية التي يمكن أن يكتسبوها بتعلمه؟
وإذا انتقلنا من الرقص إلى الغناء يتبين لنا ترادف كثير من تلك الميزات والمهارات في الغناء لدرجة تأدية المغنين أدوارهم وكأنهم يقومون بها بدون جهد يذكر.
وبالمناسبة، يزيد عدد الراقصين والراقصات المحترفين في أميركا عن أربعن ألفاً، وعدد المغنين والموسيقيين عن ربع مليون، نحو نصفهم يعملون جزئياً في الغناء وفي الموسيقى، وجميعهم تقريباً موظفون ذاتياً Self – Employed. أما الموظفون منهم أي الذين يعملون براتب، فثلثاهم يعملون في منظمات دينية (معظمها كنائس) وربعهم يعمل في شركات فنية موسيقية غنائية، أو شركات الأوبرا والمسارح والباليه، والمطاعم، والأعراس، أو في محطات الإذاعة وقنوات التلفزيون، أو في فرق القوات المسلحة الموسيقية، فما الذي لا يعجبنا في تعليم الفنون وممارستها، وهي أحد أكبر مصادر الدخل القومي أيضاً؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock