في تلكما العينين اللتين اتسعتا بحبّ الدنيا، تخيّلتْ حياةً مليئةً بالسعادة، وحياةً ورديةً قادمةً مع رفيق العمر؛ لا تستطيع حتى الأحلام سبر غورها. لمعتا حين سمعتْ دقات القلب الأولى لطفلها البكر، وامتلأتا بالفرح حينما رأته يحبو ويتكئ عليها وهو يحاول اختبار تجربة المشي للمرة الأولى.
كانت أحلامُها جميعُها ورديةً، ولم يتسربْ إليها أيّ شيء يمكن أن ينغّصها، فهي مثل أيّ فتاة تحلم أن يجمعها بيتٌ بشريك تقاسمه تفاصيلَ الحياة بحُلوها قبل مرّها، شريك يخاف عليها ويحميها من غدر الزمن، يحتضنها بحبّ، ويقدر وجودها، ويؤمّن احتياجاتِها.
كل تلك الأحلام اصطدمت بواقع صعب وأليم، مع رجل دمّر ما تبقى من كرامتها، تفنن بامتهانها، وتعنيفها جسديا ونفسيا مع إشراقة كل نهار، كأنّه يعاقبها ويزرع بها أحقاده وعقده واضطراباته، لتكون النهايةُ بفقء عينيها والاستمتاع بتعذيبها أمام أبنائها.
قضية فاطمة ضحية جرش التي أوجعتْ القلوب وأدمتْ العيونَ؛ أثارت الرأي العام لبشاعة الجريمة والضرر الذي تسبب به رجلٌ أبعد ما يكون عن الإنسانية والبشرية على امرأة كل ذنبها أنها رضيت بحياة مأساوية من أجل احتضان أطفالها وضمّهم إلى روحها وقلبها.
تلك القضية، والتي لا نستطيع تعميمها، كشفت الستارة عن عنف أُسري “صامت” يُرتكب داخل أسوار البيوت، لتكون المرأة ضحية الظلم والاستقواء وموروثات مجتمعية لا تعترف بحقوقها وأمنها واستقرارها، وذكورية مطلقة لا تراها بعينها، ولا تقيم أي اعتبار لوجودها، وأكثر من ذلك أنها تتسامح مع العنف وتبرر أفعال الرجل مهما كانت موجعة وقاسية.
العنف الأسري في مجتمعنا تغطيه للأسف ثقافة “الستر” و”الصبر” على الظروف مهما كانت، وكأنّ ذلك ما يعلي من شأن المرأة بتحمّلها لكل شيء، علّ الأحوال تتغير يوما، وإن لم تتغير “خلص اصبري ما إلك إلا بيتك وزوجك”.
نساء يتعرضن للظلم والقهر ويتحملن الأمرين من أجل الأطفال، وعائلات غير داعمة، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومع ذلك فالمجتمع لا يغير ثقافته، بل يبقى “أمينا” على أمراضه الاجتماعية، ولا يلتفت حتى إلى أن للمرأة حقوقا أساسية ينبغي توفيرها قبل أي شيء آخر، وأولها الكرامة التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة.
مبررات واعتبارات عديدة تجدها المرأة لنفسها وتعيش في داخلها، فأي تصرف يخرج من الرجل ينبغي أن تجد له مبررات، حتى لو كان ذلك التصرف هو الضرب المبرح والتعنيف النفسي، وكسر رايات الأمل لديها وهدر جزء كبير من حياتها، وكل ذلك على قاعدة أنه رجل وزوج، وينبغي أن تقبل بهذا التصرف، أو ربما تقبل به من باب “الضحك على النفس، على قاعدة “رح يتغير”.
الأمثلة على العنف الأسري في مجتمعنا كثيرة، ولا يمرّ الكثير من الوقت إلا ونسمع عن حادثة هنا أو هناك حول تعنيف رجل زوجته، وتبقى القصص القابعة خلف الأبواب الموصدة أكثر بكثير، لكنها محاطة بالسرية الكاملة لأسباب عديدة، أهمها الخوف و”كلام الناس”.. مفاهيم العيب التي اخترعها الناس كي تظل المرأة في رتبة دنيا.
لا نريد الحديث فقط عن التنشئة الأسرية والاجتماعية التي “تتفنن” بقتل الطموح، والنظرة الذكورية والدونية التي ترسخت تجاه المرأة، علينا أن نتحدث مرارا وتكرارا عن ظلم القوانين للنساء، وقصورها وضعفها بأحيان كثيرة في حماية حقوقها.
ينبغي على المرأة أن تنهض من جديد، وأن لا تترك نفسها فريسة للآخر وتتحمل كل صنوف الإهانة والمذلة، أن تغير ظروفها بنفسها قبل أن يكبّلها المجتمع في زنزانته، ويحتم عليها نهاية مأساوية.
فاطمة لن تكون الأخيرة.. فقصص المهانة والقمع والضرب والتعنيف ستتكرر يوما بعد يوم، إن لم نقف كمجتمع وقوانين وأنظمة لحماية المرأة ودعوتها للتحدث وليس الهروب بالصمت عن جرائم يومية ترتكب بحقها.
نقول لكل امرأة تصمت على امتهان الكرامة والأذى النفسي والجسدي: انقذي نفسك أنت أولا، لكي نتمكن من الوقوف إلى جانبك واسترجاع حقك بالحياة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock