أفكار ومواقف

لغة السلام

ليس غريبا ما تقوم به إسرائيل من استباحة للمقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، فعلى الرغم من أن هناك معاهدة سلام مع الأردن كان ينبغي أن تعمل على كبح جماح متطرفي الكيان من القيام بهذا السلوك الهمجي إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يستبطن بعد – ولا في نيته أن يستبطن – أن معاهدة السلام مع الأردن تعني من ضمن ما تعني أن تحترم إسرائيل المادة التاسعة من المعاهدة. وعلى نحو لافت لا تحرك الحكومة الإسرائيلية ساكنا في وجه محاولات المستوطنين والمتطرفين تغيير الوضع القائم في باحة المسجد الأقصى، بل هي من يحمي هذا السلوك.
إسرائيل التي وقعنا معها معاهدة سلام لم تعد قائمة وهذه حقيقة على صنّاع القرار في الأردن أي يعوها جيدا بدلا من الاستمرار في الجري خلف سراب السلام، فبرز في آخر عقدين مجتمع إسرائيلي يميني يعتقد أن موازين القوى المختلة تسمح له بأن يعيد تعريف المعاهدة وبنودها بما يتناسب ومصالح الاحتلال والمستوطنين، لذلك ومنذ أن دنس شارون باحة المسجد الأقصى في العام 2000 واليمين الإسرائيلي المهيمن يحاول بشكل ممنهج تغيير الوضع القائم في القدس.
بالنسبة لإسرائيل، السلام يعني الأمن والأخير يعني أمن الوضع القائم ما يسمح لإسرائيل بتحصيل المزيد من المكتسبات دون أن يكون لذلك كلفة أمنية. فإسرائيل تؤمن بفكرة “الجدار الحديدي” التي نظّر لها جابوتنسكي عام 1923، وعليه فإن إمكانية تغييرها لسلوكها التوسعي تكون واقعية فقط أن انهار ذاك الجدار، لكن للأسف أفضت معاهدات السلام العربية مع إسرائيل وتفاهم عدد آخر من الدول العربية معها إلى تقوية هذا الجدار الذي بات يأخذ بعدا توسعيا واضحا هذه الأيام.
أي متابعة حثيثة لما تنشره مراكز الدراسات في إسرائيل تكشف عن اجماع إسرائيلي على تشخيص الوضع الإقليمي، فالباحثون الإسرائيليون يرون أن انقلابا استراتيجيا حدث في المنطقة منذ حرب تموز 2006 واندلاع ثورات الربيع العربي أفضى إلى اقتراب محور دول “الاعتدال” إلى إسرائيل. طبعا لفظ الاعتدال هو تعبير ملطف لوصف امتثال دول عربية للمنطق الأميركي والإسرائيلي. وزاد من الطين بلة أن تمكنت إسرائيل من ترسيخ فكرة استبدال العدو، فإسرائيل وفقا لهذا المنطق لم تعد دولة معادية تحتل شعبا فلسطينيا بل دولة “طبيعية” يمكن أن تكون عنصرا فعّالا للتصدي لإيران. بدورها، تكشف الصحافة الرصينة في الولايات المتحدة عن لقاءت عربية إسرائيلية منها ما هو سري ومنها ما هو علني تتناول التنسيق للتصدي لإيران وكأن إسرائيل لا تحتل أرضا عربية غرب النهر!
حالة الاستقواء التي يشعر بها المجتمع الإسرائيلي والاستخفاف بالعرب وصلت إلى ذروتها في السنوات الأخيرة عندما بدأت إسرائيل اللعب على وتر التناقضات العربية والتلويح بأن دور الأردن في القدس هو عرضه للأخذ والعطا. وتصريح وزير الأمن الإسرائيلي غلغاد أردان ربما يريد أن يؤسس للبدء بتقويض الوصاية الهاشمية، وهو أمر أثار حفيظة الأردنيين الذين رفضوا أي تغيير للوضع القائم في القدس. نحذر من هذا خلال هذا المنبر إن إسرائيل لا تفهم لغة السلام، والأخطر أن هناك تياراً في الولايات المتحدة بدأ يغازل دولا عربية أخرى بشأن الوصاية لعل لعابها يسيل وتقدم على خطوات تطبيعية مع إسرائيل تمنح مزيدا من الذخيرة لليمين الإسرائيلي الذي سيعتقد عندها بأن سياسة التشدد والتنكر لحقوق الفلسطيني هي سياسة جديرة ومفيدة وتعود بالنفع على المشروع الصهيوني التوسعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock