أفكار ومواقف

لغة المستقبل

اللغة التي نتحدثها تشكل فهمنا للعالم المحيط تماما كالخوارزمية التي يتم تلقيمها للحاسوب، هذا الفهم الذي قدمه (بينجامين ورف) دفع (ادوارد هول) في كتابه البعد الخفي لجزم أن البشر أسرى للغتهم التي يتكلمونها طالما اعتمدوا مفرداتهم الخاصة كمسلمات.
ومن خلال هذا الفهم يمكننا التأكيد أن الناس بلغات مختلفة يسكنون عوالم حسية مختلفة ولجسر هذه الهوة بين المجتمعات علينا تعميق الاتصال كجوهر للثقافة وللحياة، وعلى هذا الفهم بإمكاننا إدراك آلية عمل الانترنت من خلال ادراج البشرية في صعيد واحد ضمن زمان ومكان موحد بانتظار دمج الجميع بخوارزمية لغوية واحدة ليتشكل إدراك وفهم حسي موحد للشعوب حيث إن اللغة احتواء للزمان والمكان.
وبحسب معجم (لاروس) نجد أن اللغة وسيلة للتعبير عن الأفكار ونتيجة لديناميكية هذه الأفكار تتبدل المفردات حيث تتعرض اللغات لتغير مستمر والألسن التي لم تجار التحولات ستخرس وتندثر، فالإنجليزية قبل الف عام او ما يعرف بالأنجلوسكسونية كانت اقرب للهولندية المتحدث بها بوقتنا الحاضر في سياقها ونطقها منها للغة الانجليزية التي نعرفها اليوم لقد تغيرت البنى اللغوية عالمياً، وبحسب كتاب أساسيات اللغة لـ (تراسك) فإن الانجليزية فقدت اكثر من ستين بالمائة من مفرداتها القديمة امام نظرية الاقتراض وهي ببساطة عملية نسخ مفردات اللغات الأخرى وادماجها، ولعل هذا سر نظارة الانجليزية كلغة عالمية اليوم من خلال قدرتها على التكيف مع التغيرات الكبرى التي فرضت بسبب انهيار حدود العالم امام شبكة الانترنت، وبحسب الدراسات لم تكن الإنجليزية مجرد لغة مقترضة بل هي اللغة الأولى المانحة لباقي اللغات كونها لغة الطب والتكنولوجيا والعمل.
سلكت اللغتان الفرنسية والانجليزية طريقتين مختلفتين في محاولة الوصول الى اتفاق عام على منطوق موحد للفئات الاجتماعية فاختار الفرنسيون طريقة الرفض المطلق لمفهوم الاقتراض وصعد اليمين المواجهة ودفعوا لإنشاء اكاديميات تعنى بتنقية اللغة الفرنسية من المصطلحات الدخيلة ومحاولة تقريب المفردة للسياق اللغوي الفرنسي في حال الاجبار على الاقتراض وانشؤوا اكاديمية تعني بهذا الشأن تضع القواعد الخاصة باللغة وتتابع آلية تنفيذها وفرضها على المتحدثين، فيما سلك الإنجليز مسارا سياسيا اكثر سلاسة وتحديدا بالقرن الخامس والسادس عشر حيث كان التواصل بين المقاطعات الانجليزية اكثر صعوبة نظرا لتعدد اللهجات، لتشكل العاصمة لندن مركزا تجاريا وسياسيا واكاديميا توافد المواطنون من الأقاليم للعاصمة وما حولها وشكلوا خليطا اجتماعيا تم انتخاب لغة انجليزية توافقية من خلالهم بشكل سلس وبدون رقابة واجبار، انتقاء لغوي طبيعي جعل من الانجليزية اكثر صلابة ومناعة ومنحها التفوق الذي تعيشه اليوم.
في مطلع القرن الماضي أطلق العالمان أوغدن وريتشاردز سؤالهما: هل يمكن انشاء لغة عالمية؟ من خلال كتابهما (معنى المعنى) وتوصل كلاهما الى ان الفكر واللغة لا يجب فصلهما عن بعضهما بل يجب أن يعالجا معالجة واحدة، إنه مفهوم آخر للهيمنة فمن يهيمن على اللغة سيحكم بلا شك افكار الشعوب وهو ما يفسر استعار حروب الاعلام حيث الشبكات الناطقة بلغتنا والعابرة للحدود وهدفها ببساطة فرض مفردات من يمولها.
بعد مائة عام من نظرية اللغة العالمية الواحدة صرح صاحب تسلا (إيلون ماسك): أن التكنولوجيا التي يعمل عليها اليوم في مطلع 2020 يمكن أن تجعل اللغات البشرية التي نستخدمها اليوم خارج الخدمة في غضون خمس لعشر سنوات، ويستطرد كمن يحول مفردات ايريك فروم في اللغة المنسية الى كوابل تمتد للعقل كما في فيلم المصفوفة:
هل تريد التحدث بلغة مختلفة؟
لا توجد مشكلة، ما عليك سوى تحميل هذا البرنامج الى دماغك.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock