أفكار ومواقف

لغز “الكهرباء الوطنية”

لا ينقطع الحديث عن تسعير الكهرباء في الأردن، وخسائر الكهرباء الوطنية، ودور شركات التوزيع وكيف يتم التسعير، ولماذا يحدث ذلك ولصالح من؟ اللغة السائدة اتهامية بامتياز حيث تضيع بعض الحقائق البسيطة، ويجري في الكثير من الأحيان الالتفاف على حقيقة بسيطة في قطاع الكهرباء متعلقة بتشوه كبير في آلية التسعير المتبعة.
لتبسيط الموضوع فإن عدد المشتركين يبلغ حوالي 1.7 مليون مشترك من مختلف الفئات والشرائح، من هؤلاء المشتركين يوجد عدد كبير يستهلكون ما يعادل 38 من الكميات المستهلكة يعتبرون ضمن الفئات المدعومة. أي انهم يدفعون اقل من الكلفة الحقيقية لتوليد الكهرباء التي تقترب من حوالي 9-10قروش للكيلو واط، ويتغير ذلك وفقا لتغير أسعار المحروقات وكلف التمويل والكلف التشغيلية.
هذه الفئات استهلاكية في المقام الأول، واستهلاكها مدعوم بنسبة كبيرة، وفي العادة فإن “الدعم البيني” يأتي من شرائح استهلاك مختلفة منها البنوك وشركات الاتصالات والصناعات التعدينية الكبيرة والمستشفيات وغيرها والتي تدفع مقابل كل كيلو واط استهلاك ما يعادل عشرة اضعاف الاستهلاك المنزلي البسيط، هذه الشرائح الداعمة هي قطاعات إنتاجية، والدرس الأول من هذه المعادلة هو اننا في الأردن نقوم بدعم الاستهلاك على حساب الإنتاج، وهذا وضع لا يستقيم ويعني اختلالا كبيرا يضر بتنافسية الاقتصاد، ولكن لأسباب لا علاقة لها بالكهرباء بل بالاطار السياسي والاجتماعي، فلا احد يجرؤ على ان يقوم بإصلاح هيكلي مطلوب. رغم ان هيئة تنظيم القطاع قدمت الكثير من المقترحات العملية لعلاج هذا الخلل على مدى الأعوام القليلة الماضية ولأكثر من حكومة.
ويمكن الاستمرار بسرد بعض الحقائق حول بند فرق أسعار الوقود الذي تم تفعيله منذ حوالي عامين بهدف تجنيب شركة الكهرباء الوطنية المزيد من الخسائر بسبب معادلة التسعير التي تقتضي ضمنا نقل التغير في أسعار الوقود الى المستهلك النهائي صعودا او هبوطا، والخلل في هذا البند انه يتعامل مع الشرائح الداعمة والمدعومة تقريبا ضمن نفس الحسابات، وهذا من شأنه تعميق الفوارق السعرية والاستمرار بمعاقبة الشق الإنتاجي في الاقتصاد. ومن يتساءل عن سبب الاقبال على مشاريع الطاقة المتجددة من قبل شركات الاتصالات او البنوك، فله ان يربط ذلك بالكلف المرتفعة للكهرباء والتي تتجاوز الكلف الحقيقية.
مرة أخرى فإن تشوها في معادلة التسعير نجم عنه خلل في منظومة الحوافز والتي افضت الى خروج عدد من المستهلكين الداعمين من النظام الكهربائي حيث ان كلفة انشاء محطات طاقة متجددة لتغطية استهلاك بعض الشركات يمكن استردادها خلال ثلاث او اربع سنوات.
شركة الكهرباء الوطنية مثقلة بالديون، وهي تسدد فوائد مبالغ باهظة تصل الى ملياري دينار، وهذه كلف إضافية تحملتها الشركة نتيجة قرارات سابقة تم تأجيلها عندما انقطع الغاز المصري، وتحول التوليد الى زيت الوقود مرتفع الثمن. وتتجاوز كلف فوائد الدين حوالي 150 مليون دولار سنويا تتحملها التعرفة المشوهة أصلا.
الحل للمستقبل يتمثل بأن يعاد النظر في التسعيرة بحيث تعكس للكلف الحقيقية للتوليد باستثناء كلف تمويل المديونية التي تعني تحميل مستهلك اليوم أخطاء الماضي، وهو ما يعني توفير الطاقة بأسعار تنافسية تشكل تصحيحا لاختلال لا يمكن الاستمرار به، وبالتوازي مع ذلك توجيه دعم مباشر للفئات المستحقة في المجتمع بشكل مباشر.
والمقترح الثاني يتمثل بالخروج من نظام “المشتري الوحيد” للطاقة المتمثل بالكهرباء الوطنية نحو نظام يتيح استخدام الشبكات بحيث يسمح بالإنتاج والتوزيع دون المرور بحلقة الكهرباء الوطنية.
بغير ذلك سيبقى قطاع الطاقة مكبلا لبقية القطاعات ومصدرا للاختلال، يستدل على ذلك من الخسائر التي لحقت بالكهرباء الوطنية العام الماضي والتي اقتربت من 100 مليون دولار.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock