أفكار ومواقف

لقاح “أكسفورد-أسترازينيكا”.. وعد للفقراء..!

يراقب فقراء العالم بأمل – وحسرة- الأنباء عن ظهور لقاحات ناجحة ضد “كوفيد 19”. فالفقراء هم الأكثر تضرراً من الاضطراب الكبير الذي أحدثته الجائحة، سواء من حيث الأوضاع الصحية الضعيفة، أو من حيث انقطاع أرزاقهم وسبل عيشهم بسبب تأثر الاقتصادات بالإغلاق والحظر.
ومع أن اللقاحات هي أمل البشرية للعودة إلى “الطبيعي” السابق على الوباء، سيكون الفقراء هم الأخيرون في طابور اللقاحات، بعد أن ينتهي الأقوى والأغنى من أخذ حصتهم أولاً.
تم الإعلان أولاً عن لقاحين ناجحين في أميركا، “فايزر-بيونتيك” و”موديرنا”. وبالنظر إلى الأعداد المتوقعة لعدد الجرعات التي سنتنج منهما في بقية العام والعام المقبل، فإن اللقاحات ربما تصل إلى المواطنين العاديين في الدول الفقيرة في 2022.
وسيترتب عليهم العيش كل هذه المدة مع الخوف وتعطل العمل والإصابات والوفيات. وحسب المخططات الكونية المعروفة، فإن أي لقاحات قليلة قد تُتاح للدول الفقيرة في القريب ستذهب أولاً إلى المتنفذين ومحيطهم، فالكوادر الطبية، فالأضعف صحياً، وأخيراً بقية المواطنين.
إذا تم إنتاج اللقاحات الأميركية –ولقاحات أخرى في الدول الغنية- بكميات تجارية في فترة قريبة ووصلت إلى الصيدليات، فإنها ستباع غالباً بأسعار يغلب أن تكون بعيدة عن متناول الفقراء. وقد اقترحت إحدى “نظريات المؤامرة” عن ظهور فيروس كورونا أن أحداً صنّع الفيروس حتّى تكسب شركات الأدوية الكبيرة مبالغ فلكية من بيع اللقاحات. وبغض النظر عن مدى وجاهة هذا الاقتراح بخصوص نشأة الوباء، فإن من المعقول التفكير بأن هذه الشركات ستغتنم الفرصة لجني المليارات حقاً.
الجديد هو أن شراكة “أكسفورد/ أسترازينيكا” أعلنت عن نيتها توزيع لقاحها، الثالث في ترتيب التوقيت – والفعالية- على الدول الفقيرة بأسعار منخفضة. وقد علق الصحفي جوناثان كوك، في صفحته على “فيسبوك” فكتب: “انخفضت أسهم ‘أسترازينيكا’ بمقدار 4 مليارات جنيه إسترليني بعد أنباء عن إنتاجها “لقاحًا للعالم” –والذي سيتم توزيعه، بعكس منافسيها، على الدول الفقيرة بسعر التكلفة. لا مفاجآت. فقد تم تصميم الرأسمالية هيكليًا لمعاقبة مظاهر “الضعف”، مثل التضامن والإيثار والرحمة”.
التضامن والإيثار والرحمة هي القيَم التي يحتاجها الفقراء في محنة الوباء أيضاً، التي يجعلها ضعفهم ثقيلة بشكل خاص. ولا يقتصر الأمر على أن هيكل الرأسمالية يسحقهم تحت ثقل كل الطبقات الأعلى في الهرم، وإنما تفعل ذلك أيضاً الطبقات المحلية من الهيكل، غير المتوافقة –بنيوياً- مع القيم التي تحدث عنها كوك.
المهم أيضاً بشأن لقاح “أسترازينيكا” هو أن لها شراكات مع موردين في مختلف أنحاء العالم، في الهند وأميركا اللاتينية وروسيا وتايلاند، وهو ما يمنح الشركة إمكانية لتصنيع عدد كبير من الجرعات، قد يصل إلى 3 مليارات جرعة، في العام القادم (أكثر من ضعف إنتاج الشركتين الأميركيتين معاً). ويقول رئيس الشركة: “سوف نقوم بتزويد البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل حول العالم من مصادر مختلفة. نحن نهدف إلى القيام بذلك بشكل أو بآخر في نفس الوقت، حتى يتمكن الجميع من الوصول إلى اللقاح بطريقة منصفة وفي أسرع وقت ممكن”.
ثمة ميزة أخرى للقاح “أسترازينيكا” بالإضافة إلى رخص الثمن وإمكانية الوصول، هي أنه “يمكن الاحتفاظ به لمدة ستة أشهر على الأقل في الثلاجة العادية”. وبذلك لا يحتاج إلى درجات التبريد المنخفضة بشكل كبير التي يجب أن تُحفظ فيها اللقاحات الأميركية، والتي تصنع مشكلة للوجستيات في الدول الفقيرة.
تبقى مسألة أن نسبة فعالية لقاح “أسترازينيكا” المعلنة هي 70 في المائة، مقارنة بنحو 95 في المائة للقاحات الأميركية. لكن الباحثين يقولون إن النسبة قد ترتفع لتصل إلى 90 في المائة من خلال تعديل الجرعة. وهناك أيضاً اختلافات في طريقة التجارب السريرية وتصنيف الحالات والاستجابات، يصعب شرحها في هذا المقام، والتي تؤثر على هذه النسبة. كما يقول الباحثون من “أسترازينيكا” أيضًا أن لقاحهم قد يقلل من انتقال الفيروس بين الأشخاص -وهي خاصية لم يتم تأكيدها بعد في اللقاحين الأميركيين.
من المؤكد أن هذا اللقاح الجديد، مع لقاحات أخرى يغلب أن تظهر قريباً، يفتح نوافذ أمل للفقراء. وإذا لم تكن قيم التضامن والإيثار والرحمة هي التي ستجلب اللقاح للفقراء، فربما تكون كثرة المتنافسين ووفرة الإنتاج وقانون العرض والطلب قادمة للنجدة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock