أفكار ومواقف

“لقد عضّنا البرد والجوع”!

ليس السؤال، في ظني، لماذا حصلت حكومة البخيت على نسبة ثقة (58 %) أقل من الحكومات الأربع السابقة، بل كيف نجح في الحصول على هذه النسبة، في ظل ما تبرزه إجابات العينة الوطنية (في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية) من معاناة اقتصادية شديدة لشريحة واسعة من المجتمع.


الضغوط الاقتصادية لا تتصدر فقط أولويات المواطنين وهمومهم، بل تزداد شراستها وحدّتها يوماً بعد يوم، وتدفع المزاج الاجتماعي نحو حالة من انعدام الثقة والإحباط وخيبة الأمل، وهي مؤشرات مقلقة جداً، مع عدم وجود “آفاق” وحلول لدى “مطبخ القرار” للخروج من كابوس هذه الظروف.


بالنظر إلى نتائج العينة الوطنية، فإنّ العناوين الاقتصادية تحتل نسبة تقدّر بـ85 %، بدءاً من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، مروراً بالفقر والبطالة والوضع الاقتصادي عموماً. وإذا أضفنا إلى ذلك الفساد المالي والإداري، فإنّ النسبة تقارب الـ93 %، ويصبح أيُّ حديثٍ بعدها لا قيمة عملية له في رأي المواطنين.
ماذا تعني هذه النسبة المرتفعة من الأرقام؟ ببساطة ووضوح أنّ شريحة كبيرة جداً من المجتمع تقع تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية، وغير قادرة على “التكيف” مع المتطلبات اليومية البسيطة، في ظل “الفجوة العميقة” بين الأنماط الاستهلاكية المتجددة والإيرادات الشهرية أو اليومية للمواطنين.


الأزمة تبدو أكثر “إنذاراً” في أنّ هذه الشريحة الواسعة غير متفائلة بإمكانية إنهاء معاناتها اليومية بالرغم من تداور الحكومات وتغيّرها، إذ تشير العينة الوطنية إلى أنّها لا تثق في قدرة الحكومة على حل ثماني تحديات اقتصادية أساسية وردت في كتاب التكليف الملكي.


ما يعكسه الاستطلاع وتؤكده الدراسات الأخرى بوضوح أنّ المسار الاقتصادي خلف وراءه كوارث اجتماعية وإنسانية، ما يقتضي إعادة النظر بنيوياً في “الفرضيات” التي أسست له، والدفع نحو إعادة هيكلة لسوق العمل ولقوانين العمل والأولويات التنموية والخدماتية، والسياسات الضريبية.


إلى اليوم، ما تقوم به الحكومات هو محاولات لمعالجة “الأزمة المالية” والتعامل مع العجز والمديونية، مع اختلاف سياساتها بين من تريد تحميل ذلك لـ”جيب المواطن”، ومن تحاول إيجاد مخارج أخرى لا تؤدي إلى تدهور المعادلة الاجتماعية- الاقتصادية.


الملاحظة التي تستدعي التوقف والتحليل، أيضاً، أنه بالرغم من التغييرات الإقليمية الأخيرة في مصر وتونس والحراك السياسي الداخلي وما أنتجه من رحيل حكومة ومجيء أخرى وخطابات رسمية تؤكد على أولوية الإصلاح السياسي وأهميته، إلاّ أنّ هذا الموضوع (الإصلاح السياسي) ما يزال لدى العينة الوطنية موضوعاً ثانوياً جداً يحتل 1 % فقط، في مقابل المشكلات الاقتصادية والخدماتية التي تسيطر على الناس بصورة مطلقة.


الفارق بين الحالة الأردنية والحالات العربية السابقة أنّ المواطنين لم يصلوا بعد إلى تركيب “معادلة” الربط بين الظروف الاقتصادية الراهنة الصعبة ومعاناتهم اليومية في التعامل معها وبين ضرورة الإصلاح السياسي وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، ما يساهم في الحدّ من الفساد وتوزيع السلطات، والانفتاح السياسي الذي يخفف من مستوى الاحتقان.


في المقابل، فإنّ أولوية الإصلاح السياسي وضرورته ارتفعت لدى قادة الرأي، مقارنة بالاستطلاعات السابقة، وإن كان تطوراً محدوداً وليس كبيراً، لكنه مؤشر على احتمالية كبيرة لانتقاله من النخب السياسية إلى الرأي العام، ما يخلق “المعادلة” التي ما تزال مفقودة إلى الآن.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نصيحة
    لكسب ثقة الجميع يجب ان يكون معالي السيد أحمد عبيدات هو رئيس الوزراء لانه شخصية توافقية وله منظوره للاصلاح السياسي

    وسيمنحه الشعب الوقت الكافي

  2. أولويتي الحياة الثقافية
    أستاذ أبورمان لقد لاحظت ملاحظة مهمة في الحالتين المصرية والتونسية وهي أن النخب المثقفة عندهما تملك وعياً وقدرة على اقتراح الحلول والتحرك السريع أفضل بكثير من نخبنا. لديهم إعلاميين وموسيقيين وكتاب ومفكرين واكاديميين وديبلوماسيين مهمين وطبعاً إلى أخر قائمة النخب.
    لو سألتني لقلت لك أن أولويتي هي الحياة الثقافية فدون نخب متألقة وعميقة فسنبقى نراوح في مكاننا.
    والله نخبهم بتفرح وبتعطي أمل. والله حلوين. من محمد منير إلى هيكل إلى خالد يوسف إلى منى الشاذلي إلى شباب الفيس البوك…
    نخبنا مملة مثل حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية!

  3. ادناه
    الذي حرك الناس في تونس ومصر, يااخ محمد، ليس وعيهم بضرورة الاصلاح السياسي بل لانهم "عضهم البرد والجوع",اي ان القتصاد اشد وطأة على النفس والوعي والسلوك من السياسة, ولو كان نقص السياسة "يعض" كنقص الطعام اذا لانتفضوا, اما المطالب السياسية فتتلو بعد ان يراها الناس في متناول اليد بانكسار حاجز الخوف.

  4. السيد أحمد عبيدات
    لكسب ثقة الجميع يجب ان يكون معالي السيد أحمد عبيدات هو رئيس الوزراء لانه شخصية توافقية وله منظوره للاصلاح السياسي

    وسيمنحه الشعب الوقت الكافي
    Yes he can do it and we trust him

  5. حل المعادلة
    اشكر للكاتب محمد ابو رمان على مقالة لقد عضتنا البرد والجوع (الغد 22/2/2011) واضيف كل منا يحب ان يجد حلا للمعادلة التي اشار اليها الكاتب في مقالة ولحل هذة المعادلة ارى التزام المرء بالمبادئ الفاضلة وهي
    اولا يجب ان يعيش الانسان من طريق شريف وان يحيا على ثمرات كفاحة وجهدة الخاص اي لا يبني كيانة على السرقةوالفساد
    ثانيا ان اللة خلق السموات والارض بالحق وطلب الى الناس ان يبنوا حياتهم على الحق فلا يقولوا الا حقا ولا يعملوا الاحقا.
    ثالثا من معاني الامانة وضع كل شئ في المكان الجدير بة واللائق لة فلا يسند منصب الا لصاحبة الحقيق بة ولا تملا وظيفة الابرجل الذي ترفعة كفاية اليها .
    رابعا ان الكفاية العلمية والعملية ليست لازمة لصلاح النفس فقد يكون الرجل مرضي السيرة حسن الايمان ولكنة لا يحمل من المؤ هلات المنشودة ما يجعلة منتجا في وظيفة معينةوالامانة تقتضي بان نصفي للاعمال احسن الناس قياما بها فاذا ملنا عنة الى غيرة لهوى او رشوة او قرابة فقد ارتكبنا تنحية القادر وتولية العاجز و هذا خطأفادح.
    خامسا النفس الصالحة هي البرنامج المفضل لكل اصلاح والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة ان المجتمع العام فمصائبة من المنافقين وان ضعف الاخلاص عند كثير من ذوي المواهب يجعل البلاد تشقى بمواهبهم وترجع القهقرى.
    سادسا من المؤسف ان كثير من الناس لا يفقهون الا منطق المال والدرجة والترقية ويحتسبون بدينهم ودنياهم داخل هذا النطاق ويربطون رضاهم وسخطهم وفتورهم ونشاطاتهم بميزانهم المضطرب.
    سابعا الصبر والرجاء هما عدة اليوم والغد فأعطوا فرصة للحكومة واعطوها وقتها للعمل على الاصلاح وارجو من اللة ان يوفقها على اصلاح ما فسد وارجو من اللة وادعوة ان يحفظ ملك البلاد وحصنوا انفسكم من جميع النواحي عاليا وترفعا على الاحداث والفتن وانتم مؤمنين والمؤمن لا يتضرع الا الى اللة.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock