أفكار ومواقفرأي اقتصادي

لكي لا يطول الانكماش الاقتصادي

لا يختلف أحد على أن الاقتصاد الأردني، كغيره من اقتصادات الدول الأخرى، دخل مرحلة انكماش اقتصادي صعبة، جراء تداعيات فيروس “كورونا المستجد” على الاقتصاد العالمي.
الأسئلة المطروحة أمام السياسيين ومستشاريهم وصناع السياسات الاقتصادية يتركز حول كيفية الخروج من الانكماش الاقتصادي “التعافي”، والمدة الزمنية التي تبقى الاقتصادات الوطنية فيها تحت وطأة هذا الانكماش.
الذي يحدد مدة الانكماش الاقتصادي وسرعة التعافي منه، يتمثل في طبيعة السياسات الاقتصادية التي ستطبقها الحكومات، وهي التي ستلعب الدور الأساسي في طول أمد الانكماش أو قصره.
نستطيع القول إن السياسات الاقتصادية التي تم ويتم تنفيذها أردنيا، ستعمق الانكماش الاقتصادي وتطيل أمده، مع ما يتبع ذلك من تداعيات اجتماعية على معدلات البطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي (اللامساواة)، وستؤدي الى تراجع الإيرادات الحكومية المحلية جراء تراجع القطاعات الاقتصادية بدرجات متفاوتة.
قبل الدخول في أزمة “كورونا المستجد”، كان اقتصادنا الأردني يعاني من حالة تباطؤ اقتصادي طويل، أسبابه لا تعود فقط الى الأزمات الإقليمية، بل لعب إصرار الحكومات المتعاقبة على تطبيق سياسات تقشفية دورا أساسيا في ذلك.
كان الهاجس الأساسي لهذه الحكومات الحفاظ على توازن المالية العامة التزاما بتوصيات وإملاءات صندوق النقد الدولي، والنتيجة كانت، اختلالات عميقة في المالية العامة، وتعمق تراجع الاقتصاد.
والسياسات الاقتصادية التي استجابت بها الحكومة لمواجهة تداعيات أزمة “كورونا المستجد” حتى الآن، تشير الى أن الهاجس ذاته “توازن واستقرار المالية العامة” كان الموجه الأساسي لمختلف سياساتها وإجراءاتها؛ حيث امتنعت الحكومة عن الالتزام بأي مسؤوليات مالية لتقديم الدعم والمساعدات لمنشآت الأعمال المتضررة والعاملين فيها.
هذه السياسات -في ظل منظومة حماية اجتماعية هشة- ستؤدي بالضرورة الى ارتفاعات كبيرة في معدلات البطالة، وستزيد أعداد الفقراء، وستخفض بشكل ملموس من الطلب المحلي (أفرادا ومؤسسات) على السلع، والذي يعد المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد، وبالتالي ستؤدي الى مزيد من الضغوط على النمو الاقتصادي.
من غير المتوقع أن تغير الحكومة الحالية سياساتها في هذا الجانب، فالاتفاق الجديد الذي تم توقيعه في بداية الأزمة مع صندوق النقد الدولي، كرس استخدام السياسات التقشفية ذاتها التي لم تخرج عن إطارها العديد من الحكومات، لا بل إن اتفاقية القرض الاستثنائي الإضافي لمواجهة تداعيات أزمة “كورونا المستجد” أكدت استمرار تطبيق هذه السياسات.
في ضوء الإصرار الحكومي على تطبيق السياسات الاقتصادية التقشفية ذاتها، والاهتمام الذي يصل لحد تقديس المالية العامة، من المتوقع أن تطول فترة الانكماش الاقتصادي في الأردن، كما كان عليه حالة التباطؤ الاقتصادي الذي استمر من 2009 وحتى دخولنا في حالة الانكماش الاقتصادي الحالية.
إن أردنا أن لا تطول حالة الانكماش الاقتصادي، التي سيترتب عليها أعباء اجتماعية وسياسية كبيرة، على الحكومة الاهتمام بالاقتصاد وقطاعاته المختلفة قدر اهتمامها بالمالية العامة، من خلال تطبيق سياسات مالية ونقدية توسعية. وعلى الحكومة أن تتعامل مع أي إنفاق حكومي باتجاه دعم القطاعات الاقتصادية والعاملين فيها، باعتباره إنفاقا رأسماليا (استثمارا) سينعكس إيجابا على المالية العامة.
وإن أرادت الحكومة الإسراع في الخروج من حالة الانكماش التي دخلها الاقتصاد الوطني مؤخرا، عليها أن تذهب باتجاه إنعاش الطلب المحلي للأفراد والمؤسسات على السلع، من خلال دعم الأجور وتخفيض مستويات الضريبة العامة على المبيعات.
آن الأوان لكي تخرج الحكومة من دائرة سياسات “جانب العرض” التي يتم العمل بموجبها منذ سنوات طويلة في الأردن، وأوصلتنا الى ما نحن عليه، والدخول في دائرة سياسات “جانب الطلب”؛ حيث تلعب الدولة أدوارا حقيقية وفعالة في إدارة الاقتصاد وتوجيهه.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock