أفكار ومواقفرأي في حياتنا

لماذا أنجو في كل مرة؟!

نادر رنتيسي

لم أصب بكورونا. قد تفيد هذه المعلومة بأني كنتُ رعديداً طوال ثلاث سنوات، أجلس في بيتي مثل القط المنزليّ، فلا أخرج إلاّ للضرورة فوق القصوى، مرتدياً كمّامتين، وقفازات سوداء، مضاعفاً مسافة التباعد الاجتماعي إلى عشرين قدماً، وذراع. قد تتخيلون أني كنتُ أخشى الموت كما طفل يخاف أيّ كائن غير أبويه، وهذا قد يقودكم إلى الاعتقاد بأني كنتُ أتطيّر من دق جرس الباب، فقد يكون الفيروس عالقاً في كفّ عامل توصيل الطلبات، وأني كنتُ أمسح الأسطح كما تفعل العاملات في قصر بكنغهام.

أما الحقيقة أني حاولتُ الإصابة، بل استجديتُ العدوى، فعانقتُ المصابين والمصابات، وقبّلتُ المصابات، وبالغتُ في التأثر، فأبقيت كفوفهنّ في كفّي، كأني كنتُ أستدرج الفيروس للعبور من الوريد، كما حرصتُ على استقبال الرذاذ، ولاحقتُ الهواء الخارج من نوافذ المستشفيات المنكوبة. مسحتُ بكفّي العارية من القفاز الأسود كل أسطح المجمّع التجاريّ، التقطتُ النفايات الطبية من سلة جارتي التي أصيبت خمس مرات من دون حسد. فعلتُ كلّ ما يمكن أن يفعله محارب نزق من أجل الشهادة، لكنّي نجوت.. مثل كلّ مرة!

فلقد تفاداني البقر المجنون رغم أنّي من آكلي لحمه قليل الدهن، ولم يسقط على كتفي أيّ طائر أو حتى براز طائر أرهقته الإنفلونزا، وما نجحت باستيقاف غزال يرميني ولو بنظرة محمّلة بجمرة خبيثة، حتى القردة اللطيفة تجنّبتني بجدريّها، رغم المكسّرات الساخنة التي أغريتها بها. واليوم يخرج رئيس منظمة الصحة العالمية، ليؤكد أنّ نهاية الوباء تلوح بالأفق، من دون أن تتاح لي تجربة الاقتراب من الموت، ومحاورته مثل شيخ مهيب بلحية بيضاء، ومراوغته بما أذكر من مهاراتي القديمة في كرة القدم.

لا بطولة أحكي عنها، فلقد نجوتُ في كلّ مرة، أخرح من عِقد إلى عِقد سليماً بأمارة كشف طبيّ يؤكد أني خال من الأمراض السارية وغير السارية، وأنّ صحتي حديد وألمنيوم، فلا معاناة سأكتبها، ولا أنين سأغنّيه. تخطتني كل حوادث السير في طرق الموت المؤكد، ولم أحزر أي الطائرات ستُنْكب لأحجز فيها مقعداً قريباً من السماء. خرجتُ من الحروب التي عاصرتها من دون أن تذكرني الأفلام الوثائقية، ولا قصاصة في صحيفة مصفرّة تثبتُ أني عشتُ أو متُّ، وكأنّ الناجين لا يحصدون سوى الخجل.

سينتهي وباء كورونا، النهاية واضحة في الأفق، فلقد رآها رئيس منظمة الصحة من خلف نظارته السميكة، مع ابتسامة نادرة في غير الأحوال المصرّح بها، وسأخجل مثل كلّ مرة لأني نجوت، ولأني سأستكمل الحياة بصفتي مواطناً صالحاً يحرص على دفع فواتير الهاتف والإنترنت، ويرمي القمامة في الأماكن المخصصة، ويكبح سرعته على الطرق الخارجية الملغومة بالرادارات المتحرّكة. سأظلّ أنجو من الأوبئة والحروب الصغيرة حتى أبلغ سنّ الضجر، وتعداد محاسن الموت في الخمسين، وسأعَمّرُ في نون “كان”، ولن أموت سوى بمضاعفات ضريبة القيمة المضافة.

المقال السابق للكاتب 

برودة إسكندنافية في الدم

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock