أفكار ومواقف

لماذا الكتابة عن فلسطين..!

أحياناً، يتساءل الذين يكتبون عن فلسطين –أو يُسألون- عن المعنى. إنهم يكتبون بالعربية، في منافذ عربية، لجمهور يُفترض أنه يعرف الحكاية. وإذا اقترحوا أفكاراً وآليات بديلة عما يجري، فإنهم يفعلون مع إحساس بأن اقتراحاتهم لا تعني النظام الرسمي الفلسطيني والعربي، وبأنهم لا يُسمعون. وبالإضافة إلى ذلك، يتعرضون لما يتعرض له مقترحو الآراء من تثبيط الهمة والنقد الجارح من بعض الجمهور. على سبيل المثال، عندما اقترحت في مقال أخير ضرورة استعادة التركيز على حق العودة، باعتباره الحل الذي لا بديل عنه لمشكلة اللاجئين، سألني قارئ: “وماذا تقترح؟”، وآخر وصف انتقاداً للفصائلية الفلسطينية بأنه “جهل”!
ربما لم يتمكن الفلسطينيون حتى الآن من اجتراح الوسيلة لتحصيل الحرية في عالم معادٍ حد الغرابة، لكنهم لا يكفون عن التحرك بشتى السبل المتاحة. ومن ذلك، إحياء المناسبات والأيام الفلسطينية، وتذكر الراحلين، وإعادة التذكير بالمآثر والمآسي ومفاصل التاريخ بلا كلل، بالإضافة إلى الأشكال المختلفة من العمل النضالي الميداني في كل أنحاء فلسطين المحتلة، وحيث يمكن عمل شيء في الشتات.
الكتابة عن كل ذلك تعني المساهمة في منح صوت للأفعال والأفكار. والبديل عن هذه الكتابة والتعبير اللغوي عن الأشياء، هو الصمت. والصمت هو آخر ما تحتاجه فلسطين الآن، بينما الكثيرون يعملون على إيداعها هي وقصتها وأهلها في ذمة النسيان. وفي الحقيقة، أصبحت الأجيال العربية الجديدة –والفلسطينية أحياناً- تجهل الكثير من القصة، خاصة بعد إلغاء مساقات القضية الفلسطينية من المناهج المدرسية في كثير من الدول العربية، ومع تعرض الأجيال الجديدة لإعلام رسمي يروّج بمكر ثعلبي لتطبيع الاحتلال وتسويقه كأمر واقع مفروغ منه ويستحيل تغييره.
في الحقيقة، يعني التوقف عن سرد وتوثيق الحكاية أن تصبح متقطعة في أفضل الأحوال، ومنسية تماماً في أسوئها. ومن واقع التجربة، يحاول الكثيرون منا تذكر حكايات الليل الخيالية الجميلة التي كانوا يسمعونها من الآباء، فلا يتذكرون منها سوى القليل ليرووه للأبناء. وكان الوالدان قد سمعا هذه الحكايات وحفظاها من الآباء والأجداد كجزء من الحياة لتصل إلينا، لكن السرد انقطع في زحمة الأحداث والمعلومات والاشتباك اليومي. وما لم يكن هناك فنانون وباحثون يوثقون هذه الحكايات ويكتبونها، فإنها ستسقط من الذاكرة الجمعية المحلية، وذاكرة الإنسانية التي تنتمي إليها. كذلك هو شأن القصص الفردية والجمعية في التجربة الفلسطينية المستهدفة بالطمس والإلغاء المنهجي.
في حكمة مستخلصة من واقع الاشتباك في معركة السرد والسرد المقابل في الغرب، قال المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، أن على كل فلسطيني/ فلسطينية أن يرووا قصتهم. ومع أن هناك رواة بارعين يرددون فصول الحكاية الفلسطينية بجرأة ودأب في الغرب، حيث أدوات الرواية النقيضة هائلة القدرة، فإن هناك تقصيراً في الجهود المؤسسية المدروسة لتقوية أدوات السرد الفلسطيني والعربي هناك، بما ينعكس على تصورات الناس المشوهة عما يحدث في بلادنا. وهنا أيضاً، ثمة شُغل على تعتيم الرواية الشعبية، وتشويش ممنهج على صوت الناس ومحاولة لإخماده، ومن ذلك ما يتصل بالقضية الفلسطينية بغية تجريدها من صلتها العربية والإنسانية. هنا أيضاً، يواجه السرد الشعبي سرداً مضاداً قوياً بشكل أو بآخر.
المؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية، كقضية إنسانية يعتنقها أصحاب الضمائر الحية في العالم كله، لا يعتقدون أن الكف عن استدعائها بكل الأشكال خيار، مثلها مثل كل المظالم التي ينبغي المجاهرة بها في كل مناسبة ممكنة. ومن البدهي أن يقصد الكف عن ذكر شيء إلى نسيانه، كما يفعل الناس مع الموتى والغائبين الذين لا ترتجى أوبتهم. ولذلك، يُخدم بقاء القضية الفلسطينية بالإكثار من الذكر بكل الأشكال: بالتعبير الفني والأدبي؛ بعرض التراث، وتأكيد الحضور في وسائط الإعلام؛ بتثقيف الأجيال الجديدة وتعريفها بكل الممكن حيث يمكن؛ بمقابلة مخططات تطبيع الاحتلال بوصف حقيقة الاحتلال الفاقدة لكل شرعية قانونية أو أخلاقية، وكذلك الدفع بمأساة الفلسطينيين المستهدفة بالتغييب إلى مكان تمكن رؤيته بين مآسي شعوب المنطقة في هذه الآونة، خاصة أن لها كل الصلة بجذر الكثير من المشاكل التي شوهت إنسان المنطقة وغيرت حظوظه.
الشاهد الساكت هو شاهد ميت، لأن صمته سيضيع الحقيقة والحق. وبلا رواية، سيموت الشهود، وتُقفل القضية.

تعليق واحد

  1. قيمة الكلمة
    كلما زادت أهمية المعركة كلما زاد الحشد لها وطالت مدته. هذه البديهية تعني أن النصر المؤزر ثمنه كبير وهو الحشد الكبير. ومن قال بأن الحشد يقتصر على المحاربين وأدوات الحرب المباشرة؟ على كل أحرار العالم أن يقفوا مع الشعوب المظلومة، عبارة نرددها كثيرا ويتملكنا إحساس ونحن نعيدها بأن الوقوف معناه المآزرة بكل ما يستطيعون بذله وأوله الكلمة. الجنوب إفريقيين لم يحمل السلاح معهم سوا أبناء جلدتهم لكن نشيد الحرية الذي طبق آفاق الأرض لقضيتهم أوقف "بوتا" العنصري وإضطره لتسليم الراية لهؤلاء الافأرقة لتتحرر بلدهم وينتهي فصل مأساوي من فصول إستعمار الرجل الأبيض للشعوب الملونة. أناشد كل أحرار العالم أن يرفعوا علم فلسطين وأن ينشدوا لفلسطين وأن يقولو كلمة حق من اجل فلسطين وهذا كثير ومؤثر لو يعلم الصامتون.

  2. فلسطين يجب أن تبقى في العقل والقلب
    أضيف الى المقال الرائع لكاتبنا علاء الين أبوزينة التالي: لا أشك لحظة بأن أي تقصير أو أهمال بقصد أو دون قصد بذكر أحداث النكبة الفلسطينية في الماضي والحاضر يصب فقط في خدمة الدعاية الصهيونية التي تنتشر الأكاذيب والقصص بأن فلسطين غير مهمة لسكانها العرب الأصليين ولباقي الشعوب العربية. وثانيا، ما الضرر أو المانع بأن تبقى الأجيال الفلسطينية والعربية يقظة ومتابعة لتطورات وتاريخ القضية الفلسطينية وأحداثها اليومية والتي يحاول الأعداء تزويرها ومنع كتابة أحداثها الحقيقة. كما أنالكيان الصهيوني الأستعماري تقوم بأستمرار في تزوير معالم فلسطين العربية التاريخية في المدن والقرى، والأعتداء علىحرمة المقدسات من جوامع وكنائس وخاصة في القدس الشريف.
    ومن هنا نقول أن مصلحة الأمن القومي العربي ومستقبل العرب والسلام العالمي سيبقى مرتبط بحل القضية الفلسطينية. ولذلك ندعو أن تبقى قضية فلسطين حاضرة في عقل وقلب كل عربي وإنسان شريف في هذا العالم حتى تنتهىمأساة الشعب الفلسطيني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock