ترجمات

لماذا تستمر أسطورة “باليوود”

ناتاشا روث رولاند – (مجلة 972+) 15/10/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ثمة إرث دائم للانتفاضة الثانية هو الفكرة الخبيثة القائلة إنه لا يمكن الوثوق بالفلسطينيين لسرد تجربتهم مع القمع الإسرائيلي.

  • * *
    في 30 أيلول (سبتمبر) 2000، في بداية الانتفاضة الثانية، وثّق مصوّر فلسطيني يعمل لصالح منفذ إخباري فرنسي ما سيصبح حادث إطلاق نار شهيرة سيئة السمعة في غزة. خلال معركة مطولة بالأسلحة النارية عند مفرق نتساريم، وقع الطفل محمد الدرة، البالغ من العمر 12 عامًا، ووالده جمال في تبادل لإطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
    وقام المصوّر، طلال أبو رحمة، بتصوير الأب وابنه وهما يحاولان الاحتماء، وبعد بضعة صليات العيارات النارية التي تعطل خلالها التصوير، أظهرت اللقطات محمدًا وقد سقط في حجر والده. أصيب محمد برصاصة قاتلة في البطن، واستسلم لجرحه ليفارق الحياة بعد فترة وجيزة.
    أصبحت الحادثة -التي يشار إليها غالبًا باسم “قضية الدرة”- هي الأساس لمصطلح الدبلوماسية العامة الإسرائيلية لإصلاح صورتها في الخارج، “باليوود” Pallywood، وهو منحوت من كلمتي “فلسطيني” و”هوليود”، ويقترح أن الفلسطينيين يقومون بتصميم وعرض مشاهد درامية تظهر إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على المدنيين لكي تكون بمثابة دعاية معادية لإسرائيل. (1) وكان الذي صاغ المصطلح هو ريتشارد لانديز، وهو عالم أميركي في العصور الوسطى، والذي صنع فيلمًا وثائقيًا قصيرًا في العام 2005 يعرض نظريته لما يصفه بأنه “صناعة صاخبة لسينما في الهواء الطلق”.
    وتهمة “باليوود” هي الآن صناعة صاخبة في حد ذاتها، حيث يتم تطبيقها بحرية على حوادث عنف مختلفة، من الضربات الجوية الإسرائيلية في غزة إلى إطلاق النار القاتل على مراهقين فلسطينيين خلال احتجاجات يوم إحياء ذكرى النكبة في العام 2014. وأصبحت مجازًا يقصد إلى إلقاء ظلال من الشك على أي اتهامات بالقسوة أو استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، وخاصة عندما يتم تصوير الحادثة وتوثيقها على فيلم. وفي الحقيقة، وفقًا لمنطق افتراء “بوليوود”، تشكل حقيقة أن العنف قد تم توثيقه على شريط فيديو سبباً إضافياً للشك في وجود العنف نفسه، لا أقل.
    على خطى لانديز، ظهر فيلق من خبراء الطب الشرعي وعلم النفس السلوكي الأدعياء لتفكيك مقاطع الفيديو التي تعرض العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. والهدف هو نزع المصداقية عن ما تم تصويره في الفيلم، وبالتالي تقويض الرواية الفلسطينية بأكملها عن الاحتلال، رصاصة في إثر أخرى.
    هذه الحرب على الصور -والتعاطف- لم تبدأ بمجاز “باليوود”، ولا هي فكرة فريدة من نوعها. كما هو الحال في جميع مناطق الحرب، تلعب الدعاية دورًا كثيفاً في كل من المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني -وهي ممارسة غالبًا ما تتداخل مع الجهود المبذولة لفك رموز الروايات المتضاربة ونقل المعلومات الدقيقة من على الأرض. ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه الدعاية عن فارق القوة بين الجانبين -أحدهما يحاول مقاومة الاحتلال والقمع، والآخر يحاول الحفاظ على هذا الاحتلال، أو تبريره -أو حتى إنكاره جملة وتفصيلاً.
    هذا التباين سبب رئيس لكون إسرائيل حساسة بشكل خاص إزاء الحرب السردية، قبل ظهور مجاز “باليوود”. فقد اشتهرت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي بدأت في العام 1987، بالدينامية الأيقونية للمتظاهرين الفلسطينيين -وخاصة الشباب والنساء- الذين وقفوا في مواجهة الدبابات الإسرائيلي، مسلحين بلا شيء سوى الحجارة.
    إن اعتراف إسرائيل بصورتها السلبية في العلاقات العامة، الناتجة عن استخدامها المفرط للقوة قد تجاوز تلك اللحظة لفترة طويلة. في العام 2013، على سبيل المثال، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيتوقف عن استخدام الفوسفور الأبيض كسلاح كيميائي ضد الفلسطينيين في غزة، لأنه “لا يبدو جيداً في الصور”. (جاء هذا البيان بعد أن نفى الجيش استخدام الفوسفور الأبيض خلال عملية الرصاص المصبوب في 2008-2009، ثم نفى استخدامه في المناطق الحضرية، ثم اعترف باستخدامه مع التذكير بأن استخدامه كان مبررًا).
    إحياء تهمة “باليوود”
    أقر التحقيق الإسرائيلي الأولي في حادثة إطلاق النار في قضية الدرة أن الصبي ربما أصيب برصاصة إسرائيلية. لكن قائد قوات الجيش في الأراضي المحتلة في ذلك الوقت، اللواء يوم توف ساميا، أعلن أن هناك “شك كبير” حول هذا الاحتمال، وقال إنه يظل هناك احتمال كبير لأن يكون الدرة قد قتل برصاصة فلسطينية.
    بعد خمس سنوات، ليس بعد طويل وقت من عرض فيلم لانديز، تم سحب هذه التكهنات التحوطية: بدلاً من ذلك ادعى ضابط آخر في الجيش الإسرائيلي أن الجيش لم يكن مسؤولاً بشكل قاطع عن مقتل الدرة. وفي العام 2013، ذهبت الحكومة إلى أبعد من ذلك: بناءً على طلب شخصي من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أطلقت الحكومة تحقيقًا إضافيًا، والذي خلص إلى أنه ليس الأمر فقط أن الجيش الإسرائيلي لم يطلق النار على الدرة، بل إن الرصاص ربما لم يُطلق عليه من الأساس. إحياء لفكرة “باليوود”.
    عادة ما يكون متحمسو “باليوود” وعشاقه هؤلاء قادرين على الاعتماد على إنكار الحكومة الإسرائيلية للأحداث وتعتيمها عليها لدعم مزاعمهم. عندما أطلقت قوات الأمن الإسرائيلية النار على ثلاثة مراهقين فلسطينيين بالذخيرة الحية خلال مظاهرة في يوم إحياء ذكرى النكبة في بيتونيا في العام 2014، مما أسفر عن مقتل اثنين منهم، اصطف مسؤولون إسرائيليون -عسكريون وسياسيون على حد سواء- للادعاء بأن لقطات كاميرات المراقبة الخاصة لكل حوادث إطلاق النار الثلاثة قد تم التلاعب بها.
    وانضم إليهم معلقون بارزون في الشتات، وأشار أحدهم إلى أن الاتهامات ضد الجيش الإسرائيلي قد تكون “نسخة جديدة من فرية الدم في (قضية) الدّرة”، (2) مستشهداً بأسطورة مسيحية معادية للسامية في العصور الوسطى. وفي وقت لاحق، حكمت المحكمة العليا الإسرائيلية على ضابط في شرطة الحدود الإسرائيلية بالسجن 18 شهرًا لإطلاقه إحدى الرصاصات.
    وبالمثل، عندما اقترب جندي إسرائيلي من محمد التميمي البالغ من العمر 12 عامًا واحتجزه بالضغط على رأسه بذراعه لاعتقاله في قرية النبي صالح في آب (أغسطس) 2015، حتى بينما كانت ذراع التميمي اليسرى في قالب من الجبس، ظهرت تهمة “باليوود” مرة أخرى في تبرير ذلك العمل. وهذه المرة، وُجهت الشتائم إلى عهد التميمي، البالغة من العمر 13 عامًا آنذاك، وهي من أقارب محمد والتي كانت من بين أولئك الذين منعوا اعتقاله. وعلى الرغم من أن صور الحدث كانت لا جدال فيها، فإن صحيفة “ميل أونلاين” في المملكة المتحدة -بتشجيع من جماعة دبلوماسية العلاقات العامة الإسرائيلية- عدلت عنوانها عن الحادثة لتزعم أن عهد “تم الكشف عنها كنجمة غزيرة الإنتاج في بوليوود”.
    حاولت العديد من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا الادعاء بأن ذراع محمد لم تكن مكسورة على الإطلاق، وعرضت صورًا له مع جبيرة على ذراعه الأخرى -متجاهلة حقيقة أن تلك الصور كانت قديمة. وكان دفاع الجيش عن أفعال جنوده أن محمد كان يرشقهم الحجارة، وأنهم لم يدركوا أنه قاصر.
    تشويه سمعة المظلومين
    حتى عندما يؤكد الجيش رواية الأحداث التي تم تصويرها وتوثيقها في فيلم، لم تتبخر تهمة “باليوود”. في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، تم تصوير ضباط سريين إسرائيليين وهم يتسللون إلى مظاهرة بالقرب من بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة، وقد لفوا رؤوسهم بالكوفية الفلسطينية، قبل أن يسحبوا أسلحتهم ويقبضوا على متظاهرين -والذين أطلقوا النار على ساق أحدهم من مسافة قريبة.
    وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي هذه السلسلة من الأحداث، ووصف إطلاق النار أنه “طلقة دقيقة شلت حركة المشتبه به الرئيسي”. ومع ذلك، أصر معلقو وسائل التواصل الاجتماعي على الفيديو على أنه كان إنتاجاً احتيالياً من “باليوود”. وكما كتبت ليزا غولدمان بشكل مؤثر في “مجلة 972+” في ذلك الوقت، فإنه “عندما لا يستطيع الناس أن يصدقوا أعينهم، فإنها عادة ما تكون الأيديولوجية”.
    وتغذي هذه الأيديولوجية فكرة خبيثة أوسع نطاقًا، هي أن أعمال العنف ضد الفلسطينيين -سواء ارتكبها الجنود أو المدنيون الإسرائيليون- ليست أبدًا كما تبدو. ولهذا السبب، على سبيل المثال، عندما اختطف مستوطنون إسرائيليون محمد أبو خضير البالغ من العمر 16 عامًا خارج منزله في القدس الشرقية وعذبوه حتى الموت في العام 2014، اقترحت الشرطة في البداية –كشيء يمكن قبوله إلى حد ما- أن أبو خضير إما قُتل على يد عائلته لأنه كان مثليًا (لم يكن كذلك)، أو أنه ذهب ضحية لنزاع محلي.
    وهي السبب في أن المحققين الهواة، بعد أن قتل مستوطنان إسرائيليان ثلاثة أفراد من عائلة دوابشة في دوما في صيف 2015، خلّقوا “أدلة” لا نهاية لها على أن المستوطنين اليهود لم يكونوا مسؤولين عن الهجوم، بما في ذلك الادعاء بأن الكتابات والرسوم الغرافيكية التي عُثر عليها في الموقع لم تكن من عمل ناطق أصلي باللغة العبرية. وهي السبب في أن المبادرات الرقمية المؤيدة لإسرائيل، في محاولة لإظهار أن الفلسطينيين في غزة لا يعانون من الحصار والاعتداءات العسكرية، تحب مشاركة الصور (الحقيقية والمزيفة) للمراكز التجارية، والمقاهي ومناطق أخرى في غزة التي لم تحوّلها الضربات الجوية الإسرائيلية إلى أنقاض -كما لو أن أي مظهر من مظاهر “الحياة الطبيعية” الفلسطينية يجعل كل التدمير الذي تُحدِثه إسرائيل عملاً من أعمال الخيال، وسرابًا يهدف فقط إلى الخداع.
    إلى جانب عنصريتها الخبيثة، فإن المشكلة في تهمة “باليوود” -التي ازدهرت بعد عقدين من قضية الدرة- هي ادعاءاتها المنافقة بأنها تهتم بالدقة في الصحافة. وفي عصر “التزييف العميق” والبوتات، تبقى الجهود المبذولة لضمان الحقيقة في الإبلاغ أمرًا حاسماً وبالغ الأهمية. لكن “التحقيقات” التي لا حصر لها في مقاطع الفيديو الخاصة بالعنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين لا تتعلق بالوصول إلى حقيقة حوادث محددة: إنها تتعلق بغرس فكرة أنه لا يمكن الوثوق بالفلسطينيين في أي شيء يقولونه عن تجاربهم على أيدي الجنود والمستوطنين الإسرائيليين .
    وهي تسبق، كاستراتيجية، بفترة طويلة اتهامات “الأخبار الكاذبة” التي تصاحب القصص الإخبارية غير الممتعة عن السياسيين والحكومات. لكن النية واحدة: تشويه سمعة المظلومين، ونزع الشرعية عن نضالاتهم، وصرف أنظار العالم عن عنف الظالم ووحشيته.

*Natasha Roth-Rowland : طالبة دكتوراه في التاريخ في جامعة فيرجينيا، حيث تقوم بالبحث والكتابة عن اليمين اليهودي المتطرف في إسرائيل وفلسطين والولايات المتحدة. أمضت سابقًا عدة سنوات ككاتبة ومحررة ومترجمة في إسرائيل وفلسطين، وقد ظهر عملها في عدة مجلات وصحف عالمية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why the ‘Pallywood’ myth endures
هوامش المترجم:
(1) Pallywood، مصطلح منحوت من كلمتي “فلسطيني” و”هوليوود”، يُستخدم لوصف قيام الفلسطينيين بتلاعب مزعوم بوسائل الإعلام أو التشويه أو الاحتيال، والذي يُفترض أنه يهدف إلى كسب حرب العلاقات العامة مع إسرائيل. دخل هذا المصطلح إلى حيز التداول مع حادثة محمد الدرة (2000) التي كانت موضع جدل أثناء الانتفاضة الثانية تضمنت الطعن في صحة الأدلة الفوتوغرافية. وصاغه ونشره جزئيًا ريتشارد لانديز Richard Landes، كنتيجة لفيديو وثائقي أنتجه ونشره على الإنترنت بعنوان “باليوود: وفقًا لمصادر فلسطينية، يُزعم وجود حالات محددة للتلاعب الإعلامي”. وقصد به ممارسة تصوير أدلة مزيفة ضد إسرائيل لصالح الفلسطينيين.
(2) فرية الدم أو فرية طقوس القتل، وتعرف أيضا باتهام الدم، هي اتهامات لليهود باختطاف وقتل أطفال مسيحيين لاستخدام دمائهم كجزء من طقوسهم الدينية. وكانت هناك، إجمالا، 150 حالة فرية دم مسجلة (ناهيك عن الآلاف غير المسجلة) والتي أسفرت عن اعتقال وقتل لليهود عبر التاريخ، كان معظمها في العصور الوسطى.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock