ترجمات

لماذا تلام أميركا على ما يحدث في سورية؟

فردريك هوف* — (مجلس الأطلسي) 4/8/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

عندما تذهب الأمور بشكل سيئ بالنسبة للسياسة الأميركية المعلنة في سورية، يخلص المحليون في المنطقة غالباً —بغض النظر عن الجانب الذي يؤيدونه- إلى القول بأن ما يتم الإعلان عنه لا يعدو كونه خدعة في الحقيقة: أن القوة العظمى الوحيدة في العالم لا تستطيع أن تكون غير متوافرة على الحلول كما تبدو أحياناً. وقد عرضت مجموعة زائرة من ضباط الجيش اللبناني في معرض تعليقها على الحملة العسكرية المتقطعة ضد “داعش” في شرقي سورية وجهة نظر تقول بأن واشنطن تريد للمجموعة الإرهابية أن تبقى. ولا شك أن الثوار السوريين الذين يقاومون الحصار بشكل يائس في مدينة حلب يرون التعاون بين المليشيات الكردية المدعومة من أميركا وبين روسيا ونظام الأسد “كدليل” على أن واشنطن تدعم حكومة بشار الأسد. ويجد المحليون أن من الصعوبة بمكان تصديق أن ما يجري في سورية لا يعكس نية أميركية على أن يكون كذلك.
في الحقيقة، تعكس الأزمة المتواصلة في سورية طائفة من العوامل. وليست نية واشنطن واحدة من بين هذه العوامل. نعم، يريد الرئيس باراك أوباما حقاً أن يرى الرئيس الأسد وقد تنحى عن سدة الحكم في عملية  انتقال سياسي. نعم، لقد عنى الرئيس ما قال عندما تعهد في العام 2014 بإضعاف “داعش” وبتدميرها. لكن ثمة أشياء أخرى اعترضت الطريق، وما تزال.
من غير المرجح أن يكون الرئيس أوباما سيقف الموقف الذي يجعله لم يدافع عن مدني سوري واحد من التكتيكات الوحشية لنظام الأسد، لولا انخراط إيران في الحرب. والخوف من أن يؤدي وضع الصعوبات أمام هجمة الأسد الإجرامية عبر وسائل عسكرية متواضعة إلى إزعاج طهران ويعطل المفاوضات النووية هو ما يبقي يد الرئيس مكفوفة دون حراك. ويستمر الحفاظ على جعل إيران موافقة على الصفقة التي تم التوصل لها في العام الماضي. والآن، يعرض التدخل الروسي مبرراً آخر للنظر إلى الجهة الأخرى، بينما المدنيون في منازلهم ومدارسهم ومخابزهم ومساجدهم مستهدفون عن عمد، وكل ذلك لفائدة تجنيد “داعش”.
يعتقد العديد من السوريين وآخرون في المنطقة أن لامبالاة واشنطن تعكس نيتها: أن الإدارة تبحث عن طريقة للمصادقة دبلوماسياً على تدخل موسكو العسكري الناجح، بحيث يتم صنع قضية مشتركة مع روسيا والنظام ضد “داعش”. ويجب على الذين يحملون هذا الاعتقاد أن يتأملوا ملاحظات الرئيس أوباما التي كان قد أدلى بها في بريزبن في أستراليا في العام 2014، في المؤتمر الصحفي لقمة العشرين:
“بالتأكيد لم تحدث أي تغييرات فيما يتعلق بموقفنا من بشار الأسد. لقد قلت هذا الشيء من قبل، ولكن دعوني أعيد التأكيد: لقد قتل الأسد بلا رحمة مئات الآلاف من مواطنيه. ونتيجة لذلك فقد الشرعية تماماً مع أغلبية البلد. وبالنسبة لنا، فإن صنع قضية مشتركة معه ضد ’داعش‘ سيفضي فقط إلى تحويل المزيد من السنة في سورية نحو دعم ’داعش‘ وسيضعف ائتلافنا، مما يعطي رسالة في المنطقة مؤداها أن هذا ليس قتالاً ضد الإسلام السني، إنه قتال ضد المتطرفين من أي نوع من الراغبين في قطع رؤوس الأبرياء أو في قتل أطفال أو في سحق السجناء السياسيين بنوع الوحشية الجائرة، التي أعتقد بأننا نادراً ما رأينا لها نظيراً في العصر الحديث”.
لا شك في أن هناك مسؤولين في إدارة أوباما ممن يعتقدون بأن موضوع إجرام الأسد —جرائم حرب وحشية وجرائم ضد الإنسانية- يجب أن توقف على أمل أن يجد رأس الإجرام الأول في سورية إغواء في تقاسم السلطة أو التنحي عنها من خلال المفاوضات. ولا شك في أن الدبلوماسيين الروس يشيرون على نظرائهم الأميركيين بالتساهل في موضوع زاوية الإجرام: فبالإضافة إلى حماية عملي، فإن لديهم مصلحة قوية في تبييض صفحة استهداف موسكو المتعمد للمدنيين السوريين.
لحسن الطالع، تحدث القائد العام الأميركي بوضوح عن المسألة. لن تكون هناك قضية مشتركة مع الأسد، نقطة. ومع أن أوباما لن يتدخل في وزير خارجيته من أجل التوصل إلى تسوية سلمية، فإنه يعرف أن أحداً ما سيجبر عائلة الأسد وحاشيتها على التعاون: إن مجرمي الحرب يرون تقاسم السلطة –محقين- على أنه منحدر زلق باتجاه المساءلة. ولن يكون ذلك الطرف الذي سيجبرها، بسبب دعم إيران للأسد، هو الولايات المتحدة.
هل ستخرج إيران من الصفقة النووية إذا تلقى الثوار السوريون الوسائل التي تحمي المدنيين من الهجمات الجوية؟ وهل ستعمد طهران في الحقيقة إلى التخلي عن المزايا الاقتصادية للوفاق النووي إذا أوقفت صلية من صواريخ كروز بين الفينة والأخرى ضد القواعد الجوية للنظام الدكتاتور عن ارتكاب الجرائم الجماعية؟ وجهة النظر هنا هي، كلا: إن طهران ترى فضائل في الصفقة النووية ومصلحة ذاتية. وقد فاوضت على الاتفاقية النووية بينما انتهجت سياسة في سورية استهدفت بشكل رئيسي تأمين الوضع الإقليمي لمجموعة حزب الله اللبنانية المتشددة، التي لا غرابة في أنها تستهدف الأميركيين. ويفهم الإيرانيون كيفية ترتيب السياسات والتفريق بينها بشكل غير عاطفي: أما الأميركيون فيخلقون روابط زائفة شالة للذات.
إذا كان قد بولغ في تقدير العنصر الإيراني في الأزمة السورية في واشنطن، فكذلك كان الحال بالنسبة للمعركة ضد “داعش”. فقد وجد المنحدرون من تنظيم القاعدة في العراق ملاذاً في سورية مع محاولة الأسد الدموية للحفاظ على السيطرة على البلد. ومن عاصمتها في الرقة، تديم مجموعة “داعش” العمليات في العراق وتنفذ حوادث إرهاب جماعية في أوروبا، وأعمالاً عدوانية تأمل في تكرارها في أميركا الشمالية.
أفضى مزيج من الضربات الجوية للائتلاف والمناورات البرية للمليشيات الكردية في سوادها الأعظم إلى تدمير “داعش” إلى حد كبير في سورية. وتستطيع قوة برية محترفة —قيادة أميركية مع وحدات إقليمية وأوروبية وأميركية— أن تنهي الجناح السوري من هذه الفظاعة الوحشية بسرعة. لكن التبريرات لعدم العمل كبيرة: يجب السماح للقوات البرية المحلية فقط بأن بأن تقوم بالمهمة؛ ضرب هؤلاء الناس في سورية سيشجع الناجين منهم على الذهاب إلى مكان آخر فقط؛ سوف تخدم محاصرة وقتل “الخليفة” المزيف والمتآمرين المشاركين معه فقط في بوتقة دعايتهم “الصليبية”؛ ليس هناك أحد مستعد لإدارة شرقي سورية متى ما تم تدمير “داعش”.
 وهذا صنع تبريرات محبط للذات؛ وبعضه محقق للذات. ماذا فعلت الولايات المتحدة بالضبط لتقوية المعارضة السورية منذ أن اعترفت بداية بالمجلس الوطني السوري في العام 2011 كممثل شرعي للشعب السوري؟ ومع ذلك، سوف تتخلى الإدارة في الحال عن تبريراتها الخاصة إذا نفذ “داعش” عملاً عدوانياً فظيعاً في الولايات المتحدة مثل تلك الأعمال التي شوهدت مؤخراً في أوروبا.
تشكل سورية صلب أزمة دولية، واحدة تقض مضاجع السياسة المحلية لحلفاء الولايات المتحدة بطرق تقدم المساعدة والراحة لزعيم روسي شغوف بإلحاق الهزيمة بحلف الناتو وتفكيك الاتحاد الأوروبي. ويعتقد السوريون وغيرهم في المنطقة بأن أميركا تفهم هذا. ولا يستطيعون تصديق أن فشل واشنطن في لجم القتل الجماعي للأسد –وهو إرهاب من نوعية مختلفة، والذي يساعد في إدامة الإرهابيين الآخرين— وحملتها البطيئة ضد “داعش” إنما تعكس التردد في اتخاذ القرار وفقدان الثقة بالنفس. هذه ليست أميركا التي ظنوا أنهم يعرفونها. لقد اختاروا أن يروا فيها العزم والتصميم، وكانوا مخطئين في هذا. لكن الأسد، مع التواطؤ الروسي والإيراني، يستمر في ارتكاب الجرائم الجماعية. وفي الأثناء، يستمر “داعش” في تفادي القنابل من الجو ومن الأكراد براً. وأن يكون المرء مخطئاً من الناحية التحليلية لا يجعل منه أعمى أو منيعاً أمام التداعيات الناجمة عن ما فعلته الولايات المتحدة وعما فشلت في فعله في سورية.

*مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في مجلس الأطلسي. عمل كمستشار خاص للفترة الانتقالية في سورية لدى وزارة الخارجية الأميركية في العام 2012.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why America Gets Blamed in Syria

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
40 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock