أفكار ومواقف

لماذا فشلت الليبرالية في العالم العربي؟

قله هم الذين يعرفون انه قبل مائة عام تقريبا ومع بداية تشكل الدولة العربية الحديثة قبل الاستقلال وبعده، كانت الصفة الغالبية للدول حديثة التكوين هي شكل من أشكال الديمقراطية الليبرالية الغربية. نقصد بذلك إنشاء مجالس برلمانية وإجراء انتخابات بوجود أحزاب سياسية مع وجود صحافة حرة نسبيا. كان هذا واقع الحال في مصر والعراق والأردن وسورية ولبنان أغلب دول شمالي افريقيا. بعض هذه الأنظمة كانت ملكية والاخرى كانت جمهورية.
أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو وجود نخبة سياسية من الطبقة الوسطى الحديثة الحاصلة على تعليم عصري التي كان لها احتكاك مع الغرب والتي كانت تخاطب الرأي العام الغربي أكثر من الداخلي. بعض الأحزاب وجدت قبل استقلال الدول ولعبت دورا مهما في ذلك والبعض الأخر نشأ بعد الاستقلال. ولكن لم يمض وقت طويل حتى فشلت هذه التجارب إما بشكل كلي أو تقليصها إلى أدنى الحدود. بالتأكيد هناك أسباب عديدة لذلك تنطبق بدرجات متفاوتة على الدول حسب طبيعة النظام السياسي وتركيبته الاجتماعية.
في بعض الدول أو الأقطار استمرت الدول المستعمرة بالهيمنة أو التدخل في السياسات العامة للبلاد قبل استقلال بعض الدول لكنه استمر بعدها سواء كان من خلال التدخل المباشر قبل الاستقلال أو من خلال اعتماد بعض الدول على المساعدات العسكرية والاقتصادية على الدول المستعمرة. في الغالب كان ذلك لصالح الطبقة السياسية الحاكمة ودخلت هذه الدول في صراعات سياسية داخلية بين القوى الوطنية والطبقة الحاكمة والدول المتنفذة وتدريجيا تراجعت الديمقراطيه بشكل كبير في هذه الدول.
بعض الدول وخاصة تلك التي كان بها أحزاب ليبرالية كبيرة، شهدت بعض الأحزاب صراعا داخليا أدى إلى انقسام تلك الأحزاب وتشرذمها. وبسبب الحريات المتاحة بدأت تظهر أحزاب جديدة موالية للأنظمة أو الطبقات الحاكمة وأخرى معارضة لهذه الأحزاب والأنظمة في الوقت نفسه مما أدى لضعف الأحزاب الليبرالية أو الديمقراطية تدريجيا لمصلحة أحزاب غير ديمقراطية سواء كانت محافظة أو راديكالية.
بعد فترة من الاستقلال فشلت العديد من الدول في تحقيق طموحات شعوبها الاقتصادية واستمرار الهيمنة الاستعمارية على النخب الحاكمة بالإضافة إلى الهزائم العسكرية التي شهدتها الدول العربية العام 1948 وانشاء الكيان الإسرائيلي، بدأت تظهر الأحزاب والتنظيمات العقائدية والايديولوجية غير الديمقراطية أو المعادية لها باعتبارها منتجا غربيا لا يتناسب مع مجتمعاتنا العربية أو أنه وسيلة لاستمرار الهيمنة الغربية على العالم العربي. هذه الأحزاب أو التنظيمات كان بعضها يأخذ الطابع القومي أو الاستدراكي الشيوعي أو الطابع الديني. المشترك بين هذه الأحزاب هو معاداتها للنموذج الغربي ومعارضتها للأنظمة الحاكمة بصفتها خاضعة للهيمنة الغربية ومعاداتها للكيان الإسرائيلي ورفضها لنموذج الحكم الليبرالي.
وجدت هذه الأفكار والرؤى قبولا شعبيا كبيرا وحدثت انقلابات عسكرية أطاحت بعدد من الأنظمة الحاكمة في سورية ومصر والعراق. قامت هذه الأحزاب بإلغاء التعددية السياسية والأحزاب وأقامت الأنظمة ذات الحزب الواحد الشمولي وكان للعسكر دور كبير في هذه الأنظمة الجديدة. وتحولت إلى أنظمة دكتاتورية وهيمنت على السياسة العربية لعقود. الدول والأنظمة التي لم تشهد انقلابات عسكرية، شهدت رده عن الديمقراطية من قبل الأسر أو الانظمة الحاكمة. وبالرغم من أنها لم تلغ الحزبية أو التعددية إلا أنها فعليا أبطلتها وأضعفتها إلى درجات كبيرة.
بعد عقود من فشل التجربة الليبرالية الأولى في العالم العربي ما زالت الشعوب العربية تطمح للديمقراطية والحرية والتعددية السياسية الفعلية. لقد شكل ما يسمى بالربيع العربي فرصة لتحقيق ذلك ولكن تم إجهاض هذه المحاولة من قبل القوى غير الديمقراطية سواء كانت بالحكم أو المعارضة.
لقد فشلت أغلب الدول العربية في تحقيق طموحات شعوبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وليس أمامها خيار الا التحول للديمقراطية أو الاستمرار في المزيد من الفشل والتفتت والانهيار.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock