أفكار ومواقف

لماذا نتيه في دروب النكبة ولا نستفيد من دروسها؟

في كتابه ” العرب ومعركة السلام  1999″ كتب برهان غليون في شهادته على مرور خمسين عاماً على اغتصاب فلسطين يقول : انتابني شعور بالغم والثورة في الوقت نفسه . شعور بالغم ، لأنني وأنا أتأمل الوضع الراهن أجد أننا نحن العرب لم نستفد ولو ذرة واحدة من الدرس الذي كان علينا أن نأخذها من نكبتنا في فلسطين عام 1948. فنحن في الوقت الذي نبكي فيه فلسطين ما قبل 1948 التي ذابت في أيدينا كما يذوب الرمل ، نعيش من دون أن يغير هذا في نمط حياتنا ولا في سلوكنا زمن اغتصاب فلسطين ثانية ونشاهدها تضيع أمام أعيننا وتصادر من بين أيدينا ، أعني أراضي الضفة الغربية التي قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ، تحت مظلة التسوية ومفاوضات السلام ، تحويلها إلى أرض مفتوحة وتكريسها للاستيطان اليهودي “ص 250.



على مدى خمسين عاماً ، من اغتصاب فلسطين في العام 1948 إلى اغتصابها في نهاية القرن تحت يافطة السلام ، والخطاب العربي المعاصر ما ملّ من مرافعاته النكبوية إن جاز التعبير، التي تنشد النكبة والكارثة عسى أن نستفيد ـ نحن العرب ـ من دروس النكبة لنعرف قوانينها وشروط تجاوزها .



الأكثر مأساوية من هذا كله والذي يمكن اعتباره شاهداً مأساوياً على خطاب عربي يمارس مزيداً من الهروب إلى الأمام، أن الخطاب العربي المعاصر قد جعل من النكبة شرطاً حضارياً لكي ينهض العرب. و هنا تكمن المأساة في خطاب لا ينفع فيه سوى التحليل النفسي الذي من شأنه أن يكشف لنا عن الرؤية السوداوية / السادية التي تتملك خطاب النخبة المثقفة المشغولة بالنهضة .



كانت نكبة عام 1948 بمثابة نعمة كما كتب نديم بيطار. فلكل نكبة طابعها الانقلابي وطبيعتها الثورية ومعناها العميق بالنسبة للمجتمع التقليدي كحالة المجتمع العربي، فالنكبة القومية الكبرى ذات مضمون ثوري فعال كما يكتب البيطار ،و” أنها تخضع من ناحية عامة، لقانون عام يجعلها ذات آثار وتحولات ثورية، فالنكبة التي أصابتنا في فلسطين ، بينت أن ردة العرب عليها ستكون ردة ثورية فعالة متكاملة ” و تبلغ ذروة المأساة في خطاب البيطار في قوله ” علينا أن نركع شاكرين القدر التاريخي الذي أتاح لنا أن نعيش في أدق وأهم مرحلة يمر بها العربي ، وأن نشارك في عمل من أكبر الأعمال الانقلابية في التاريخ ” (البيطار ، الفعالية الثورية في النكبة ص 61).



بعد مرور خمسين عاماً على النكبة، نعثر على شهادتين عنها، الأولى تندفع إلى تخوم المأساة من جديد، تركع وهي تناشد القدر التاريخي أن ينزل بنا مزيداً من الكوارث والزلازل علنا نكتشف الاتجاهات والقوانين الثورية التي تساعدنا على النهضة . وأشير هنا إلى ما كتبه هاشم صالح بصورة فجائعية ، ويتضح هذا بقوله ” ينبغي أن تحدث كارثة حقيقية ـ كأن كارثة فلسطين ليست حقيقية ؟ ـ لكي يولد الفكر، لكي يثبت الفكر في الأرض البوار، ينبغي أن يحصل انهيار وأن يتفجر في وجهنا الزلزال ” فمن شأن هذا الانهيار أن يولد مزيداً من الأسئلة ؟!.



أما الشهادة الثانية فهي شهادة برهان غليون وكما مر معنا، فبعد خمسين عاماً على نكبة فلسطين، لم نستفد من الدرس ولم نهتد إلى القوانين الثورية للنكبة، وقد غابت كل فعالية ثورية ، وها نحن على أبواب اغتصاب جديد لفلسطين كما يرى غليون التي تضيع أمام أعيننا وتصادر من بين أيدينا ( هو يشير إلى أراضي الضفة الغربية ) وداخل نفق الاحتلال الأمير كي البريطاني للعراق؟.



أعود للقول إذا كان نديم البيطار وهاشم صالح بنظرتهما السوداوية / السادية قد جعلا من النكبة شرطاً للنهضة والثورة معاً فإن شهادة برهان غليون تقطع مع هذه التراجيديا السوداء، فالنكبة ليست شرطاً إلا على صعيد خطاب شيمته الهروب إلى الأمام كما يقول محمد عابد الجابري في تشخيصه لعيوب الخطاب العربي المعاصر .



إن ” نقد السياسة العملية ” يقتضي القول إننا لم نستفد من النكبة بعد مرور خمسين عاماً فلماذا نظل ندعو القدر التاريخي أن ينزل بنا مزيداً من الكوارث الحقيقية . على أن هذا القول يظل مضمراً بالتساؤل : لماذا لم نستفد من دروس النكبة التي جعلناها شرطاً للنهضة ؟.



هذا التساؤل يلقي بثقله على النخبة السياسية والنخبة المثقفة معاً ؟ومن وجهة نظر غليون إنه على مدى خمسين عاماً لم تكن النخبة مشغولة بالاستفادة من دروس النكبة ، بل كان همها وكل همها هو الحفاظ على امتيازاتها السلطوية , وهذا ما فسر سلوك العرب في خطب ود إسرائيل. وما يفسر طور الترهل الذي يوحد بين نخب الخمسينات ونخب التسعينات التي يجعلها كالخرق البالية وعلى حد تعبير غليون ، وما يفسر أيضاً ذلك الخوف الذي يوحد بين نخب الأمس وبين نخب اليوم، الخوف من كل تغيير حتى لو كان على صعيد الحلم أو الهمس بالتغيير وبخاصة في بلدان المواجهة مع إسرائيل والذي يفسر عادة على أنه مؤامرة صهيونية خارجية للإطاحة بالنظام .



الجواب الذي يخلص إليه غليون في رده على التساؤل : لماذا لم نستفد من دروس النكبة ، يراه كامناً في أسبقية الحرب الداخلية على المواجهة الخارجية، وهذا ما يفسر سلوك العرب على مدى خمسين عاماً، الذين يظهرون مزيداً من البأس في الداخل لحماية النظام والاستقرار، ومزيداً من الخنوع والانصياع في الخارج لشراء سكوت إسرائيل والدول الأجنبية . وهنا تكمن المأساة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock