أفكار ومواقف

لماذا نجحت كوريا حيث فشل الآخرون؟

لا يجد المتتبع لمنحنيات الإصابة بفيروس كورونا على مستوى العالم صعوبة في ملاحظة أن عددا قليلا من الدول تشذ عن قاعدة التصاعد الحاد في عدد الإصابات؛ وأنا أتحدث هنا عن كوريا الجنوبية تحديدا؛ حيث تمكنت من دفع منحنى الإصابات لديها نحو الأسفل في الوقت الذي تتسابق فيه بقية المنحنيات صعودا نحو السماء.
فما الذي يُميز الإجراءات التي اتخذتها كوريا؟ وكيف استطاعت أن تصل الى الحد من انتشار الفيروس من دون اللجوء الى تقييد الحريّات المدنية وحريّة التعبير كما فعلت الصين؟ وهل بالإمكان استنساخ التجربة الكورية في بقية الدول؟ وما الدروس المستقاة من هذه التجربة الناجحة حتى اللحظة؟
ارتكزت كوريا في معركتها مع كورونا على مرتكزات عدة؛ أهمها وعي الشعب، والتوسع في إجراء الفحوصات المخبرية، والدقة المتناهية في متابعة وحصر المصابين والمخالطين.
ما ساعد كوريا على النجاح في مواجهة الوباء هو وجود نظام صحي فعال ومرن، مكنها من التحرك بسرعة منذ تسجيل أول إصابة وعدم انتظار تسجيل المزيد من الحالات للتحرك؛ فمنذ ظهور الحالة الأولى تم تأمين عدد كبير من معدات الفحص وتصنيعها محلياً لتصل اليوم الى إنتاج حوالي 100 ألف فحص، كما قامت بإجراء حوالي 300 ألف فحص، وهذا الرقم هو الأعلى في العالم نسبة لعدد السكان؛ حيث يؤمن الكوريون بأن التوسع بالفحص يؤدي الى الكشف المُبكر عن الإصابات، وبالتالي عزل المصابين مبكراً والحد من إمكانية نقل العدوى للآخرين.
كما قامت بالتوسع في إنشاء مئات المراكز لإجراء الفحص خارج المستشفيات وبطرق مبتكرة؛ منها الفحص في أماكن اصطفاف السيارات من دون حاجة الشخص لأن يُغادر سيارته، وبالتالي قللت من مُخالطته للآخرين وشجعت الناس على الخضوع للفحص في أماكن سكنهم.
كما عمدت كوريا إلى تزويد المؤسسات والمباني وحتى الفنادق والمطاعم بأجهزة وكاميرات قياس الحرارة عن بُعد، ورافق ذلك حملات توعية فعالة باستخدام التطبيقات ووسائل التواصل لحث الناس على المبادرة بإجراء الفحص.
لقد استخدمت كوريا ما توفره البيانات الكبرى من معلومات حول حركة المُصابين من خلال متابعة أجهزة الهاتف الذكية وبطاقات الاعتماد وكاميرات المراقبة في تحديد أماكن تحرك المصابين والمُخالطين؛ وبالتالي فحص وعزل كل من يُشتبه بإصابته أو مخالطته لمُصاب، وكان يتم إعلام الناس من خلال التطبيقات الذكية بالحالات الجديدة، وأماكن حركتها والمواصلات العامة التي استخدمتها أولا بأول، كما أسهمت التطبيقات الذكية في متابعة الأشخاص الموضوعين قيد العزل، وإعلام السلطات حال تم خرق أي من شروط العزل.
لا يدعي المسؤولون الكوريون أن مهمتهم قد أنجزت وأن بإمكانهم وضع أسلحتهم، فهم يؤمنون أن النصر في الحروب العالمية لا يمكن أن يكون محليا مهما كانت النتائج مبشرة على إحدى الجبهات، فلا يمكن لدولة أياً كانت أن تنتصر منفردة في هذه الحرب بينما تواصل بقية الدول حصر وإخلاء ضحاياها.
لقد التقت في الحالة الكورية الإرادة السياسية الصلبة مع الالتزام الشعبي والوحدة الوطنية، وكانت التكنولوجيا هي المُكمل لهذه المعادلة.
قد لا تكون التجربة الكورية صالحة لكل الدول؛ فلكل دولة ظروفها المحلية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، لكن هناك عناصر مهمة في هذه التجربة تستحق التوقف عندها وقراءتها بتمعّن.

انتخابات 2020
24 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock