أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

لماذا هدأت الحرب على الفساد؟

هدأت فجأة موجة الكلام عن الفساد في الأردن، إذ بعد أسابيع من التصعيد ضد الفساد، وتسريب معلومات، أو صناعة اشاعات، أو اغتيال أسماء، تبدد كل هذا الضجيج.
كيف يمكن ان نفسر هذا الهدوء، واذا ما كان اعلانا لانتهاء المعركة، ام انه إقرار بكلفة المعركة ضد الفساد، أو أن القصة انتقائية، لغايات مختلفة، والسؤال هنا، قد يجيب عليه البعض بالقول ان هذه هي القضايا المتاحة، فمن اين تريد ان نخترع قضايا فساد جديدة؟.
علينا أن نقول صراحة إن تشويه سمعة الأردن بسبب الكلام عن قضايا الفساد وترك هذا الملف تحت الانطباعات والاشاعات، تسبب بضرر كبير جدا، فسمعة الأردن خارجه باتت سيئة على صعيد ملف الفساد، وكل العرب يعتقدون ان الأردن يغرق بالفساد، إما بسبب تجارب شخصية خاضوها، او بسبب ترك هذا الملف دون نهايات، ونحن منذ اكثر من ربع قرن، ونحن نتحدث عن الفساد في الأردن، بأنماطه المختلفة، وقصصه المتداولة.
لكن الكلام عن سمعة الأردن بشأن ملف الفساد، يضع الكلفة أولا وأخيرا على الجهات الرسمية التي تركت هذا الملف مفتوحا، دون معالجات، وقد كان الأولى منذ البداية قطع الطريق على كثرة تريد تشويه سمعة الأردن، بإغلاق الملفات المفتوحة، وعدم السماح بحدوث قضايا جديدة.
الانطباع العام عند الناس يتكون من عدة عناوين، أولها يقول إن الحرب ضد الفساد، غير حقيقية، وغير جادة، وثانيها ان الحرب انتقائية، وثالثها ان الحرب موسمية، ورابعها ان هناك ثغرات قانونية لا تساعد في الحرب على الفساد، وخامسها، ان الفساد بات ممتدا في كل مكان، وسادسها ان مبدأ الصفقات في الظلال، بات هو الذي يدير المعركة ضد الفساد.
المشكلة هنا، ان توليد الحقد الطبقي، بات ظاهرة عامة، فكثرة اليوم، لم تعد تصدق ان هناك غنيا لمجرد انه ورث من اهله، او استثمر خارج الأردن، أو ان الله وفقه ورزقه داخل الأردن، او انه ورث ارضا، او مالا، فقد انقلبت المعركة ضد الفساد، وبسبب الظروف الاقتصادية، إلى حقد طبقي، وغضب شعبي، حيث كل ثري وميسور، بنظر الناس، خلفه قصة ما، وهكذا يصير الثراء الحلال هنا، لعنة على صاحبه، بعد ان تم وضعه في سلة الثراء الحرام زورا وبهتانا.
في تعليق ذكي لأحدهم قال لماذا تدار الحرب على الفساد، بشكل يركز على الأسماء المعروفة فقط، فأين بقية الشركاء، من مساعدين ومديرين وموظفين كبارا وصغارا، اذ يستحيل ان تقع جريمة فساد دون وجود شبكة كاملة تساعد الفاسد في جريمته، ولو تحدثنا مثلا عن قضايا ضريبة الدخل، ندرك بكل بساطة ان المتهرب من الدفع، ليس وحيدا، اذ معه عدد من موظفيه، وعدد من موظفي ضريبة الدخل، من مراحل قديمة وسابقة، وهكذا، والامر ينطبق على بقية قضايا الفساد، لكن الامر يدار في الأردن، عبر الرمزية، واختيار اسم ما، والزج به في قضية، ولا يحدثك احد بعد ذلك عما جرى، وأين وصلت الأمور، وأين بقية الشلة الشريكة؟!.
ما يراد قوله هنا، ان إدارة ملف الحرب على الفساد، بهذه الطريقة، بحيث تبدأ المعركة فجأة، ثم تهدأ فجأة امر يتسبب بتأويلات غير مناسبة، وأن الأصل هنا تحديد كل الأهداف والخروج بشكل قانوني من كل هذه الملفات، وبشكل عادل وسريع، وغير انتقائي، وبحيث نصل الى توقيت نقول فيه ان كل ملفات الفساد تمت معالجتها، بدلا من سوء التأويلات الحالية التي يعمد أصحابها الى القول إن كل ما نراه مجرد قصص لها تفسيرات أخرى، غير محاربة الفساد.
إطالة الحديث عن الفساد، وملفات الفساد، تسبب بخسائر كبرى، اقلها شعور الناس، ان الفساد اقوى من كل المؤسسات، وان النية لو توفرت بشكل حقيقي لمحاربته، لتم فتح ملفات محددة، دون أي حسابات ثانوية، ولعل اخطر ما قد نخرج به من هذه المعركة، الاستنتاج الذي يتبناه البعض حول ان الفساد بات هو الأقوى، وان كل ما يمكننا فعله ليس منعه او محاسبته بأثر رجعي، بل خفض مستوياته، إذا استطعنا فعل ذلك أساسا، في ظل بلد، لم يعد اقتصاده صالحا لعمليات فساد جديدة، بعد أن جف المال، ولم يعد هناك شيء قابل للسرقة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock