ترجمات

لماذا يجب أن يحتل الصوت الفلسطيني مركز الصدارة؟

رمزي بارود* – (كاونتربنش) 26/11/2021
تاريخيًا، تم إنكار الرواية الفلسطينية جملة وتفصيلاً،

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

حيث الشعب الفلسطيني، على حد تعبير رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة، غولدا مائير، “لم يكن موجودًا”. وعندما لا يوجد شعب ما، فإن تاريخه يختفي أيضًا وتُمحى ثقافته، وبالتالي، تصبح تطلعاته السياسية غير ذات صلة. وهكذا، كانت إسرائيل فقط هي الموجودة -والمهمة- داخل الدوائر السياسية والأكاديمية الغربية. ومع ذلك، عندما بدأ الفلسطينيون بتسجيل أنفسهم في الوعي العالمي كشعب له حق شرعي في الحرية، لم يتم منحهم على الفور جميع الحقوق والاحترام التي تستحقها أمة ذات ثقافة متجذرة وتاريخ مثير للإعجاب وشجاعة لا مثيل لها.

  • * *
    في حدث أقيم في نيويورك مؤخرًا، أعلن رئيس جمعية الصحافة الأجنبية، إيان ويليامز، أمام جمهور موافِق، أن الوقت قد حان “لاستعادة السرد عن فلسطين”.
    هذه العبارة -“استعادة السرد”- جديدة نسبيًا على الخطاب الفلسطيني. قبل سنوات، كان وجود هذا المفهوم، ناهيك عن تطبيقه، غريبًا تمامًا: فقد رفض الحشد المؤيد لإسرائيل، وما يزال يرفض الاعتراف بأن الفلسطينيين وتاريخهم وخطابهم السياسي هي أمور مهمة؛ بل إن البعض في الحركة المؤيدة للفلسطينيين نفسها قللوا من شأن الأصوات الفلسطينية، كما لو أن الفلسطينيين غير قادرين، ببساطة، على صياغة رواية متماسكة عن أنفسهم.
    لسنوات عديدة انتفضنا وأعلنَّا، أنا ومثقفون فلسطينيون آخرون، عن غضبنا من تحريف وتهميش فلسطين والفلسطينيين، ليس فقط من قبل إسرائيل وحلفائها في وسائل الإعلام الرئيسية، ولكن أيضًا من قبل النخبوية الموجودة داخل الحركة الفلسطينية نفسها.
    كان سماع ويليامز وهو ينطق بهذه الكلمات المذكورة مُرضيًا للغاية. والأهم هو السياق الذي قيلت فيه هذه الكلمات. فقد استضافت الحدث المعنون “صوت بعيد لا أكثر؟ إنهاض جيل جديد من الصحفيين الفلسطينيين”، المنظمة الجديدة النابضة بالحياة، “الغوض عميقاً في فلسطين”، وشاركت في استضافته “جمعية الصحافة الأجنبية”. والفكرة من وراء إنشاء “الغوص عميقاً في فلسطين” هي تحدي الرواية الشائعة التي تغلغلت في وسائل الإعلام المؤسسية حول فلسطين وإسرائيل لعقود. وقد أنجزت هذه المنظمة الجديدة قدراً من العمل مثيراً للإعجاب خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا.
    كان من بين الحضور نجم الروك العالمي، روجر ووترز، الذي أصبح على مر السنين رمزًا لحركة التضامن الدولية مع الفلسطينيين، تمامًا كما ترمز أغانيه، ومن بينها “طوبة أخرى في الحائط”، إلى الدعم العالمي للحركة المناهضة للفصل العنصري فى جنوب افريقيا.
    وفي الحدَث نفسه، أطلق أستاذ جامعة كولومبيا والمفكر والكاتب الفلسطيني المعروف، رشيد الخالدي، كتابه “حرب المائة عام على فلسطين: تأريخ للاستعمار الاستيطاني والمقاومة، 1917-2017”. وقد تحدث عن تاريخ فلسطين وأهمية التجارب الشخصية في الخطاب الفلسطيني. وكان حديثه موجهاً بشكل رئيسي إلى جمهوره المستهدف -المثقفين والناشطين الفلسطينيين الشباب.
    كان الشبان الفلسطينيون محور النقاش برمته، من أمثال محمد الكرد، شقيق منى، وكلاهما يواصلان قيادة المقاومة الشعبية ضد التطهير العرقي في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة.
    في الواقع، كان الوعي المتزايد بأهمية الرواية الفلسطينية قيد التكُّين منذ سنوات. وقبل أن نفكر في السبب وراء هذا التحول في الموقف، يجب أن نتذكر السبب في محو الفلسطينيين من تاريخهم وواقعهم السياسي في المقام الأول.
    تاريخيًا، تم إنكار الرواية الفلسطينية جملة وتفصيلاً، حيث الشعب الفلسطيني، على حد تعبير رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة، غولدا مائير، “لم يكن موجودًا”. وعندما لا يوجد شعب ما، فإن تاريخه يختفي أيضًا وتُمحى ثقافته، وبالتالي، تصبح تطلعاته السياسية غير ذات صلة. وهكذا، كانت إسرائيل فقط هي الموجودة -والمهمة- داخل الدوائر السياسية والأكاديمية الغربية.
    ومع ذلك، عندما بدأ الفلسطينيون بتسجيل أنفسهم في الوعي العالمي كشعب له حق شرعي في الحرية، لم يتم منحهم على الفور جميع الحقوق والاحترام التي تستحقها أمة ذات ثقافة متجذرة وتاريخ مثير للإعجاب وشجاعة لا مثيل لها. كانوا ما يزالون منبوذين، ويحملون وسم “إرهابي”، ويكونون أحيانًا الضحية التعيسة التي لا حول لها. وقد أثرت الفكرة الأخيرة، على وجه الخصوص، على الطريقة التي كتب بها العديد من المؤرخين المتعاطفين عن فلسطين، ما أفسد حتى تصور العديد من النشطاء الحقيقيين، الذين شعروا بأنهم، وليس الفلسطينيين، هم الأكثر قدرة على تفكيك الدعاية الصهيونية-الإسرائيلية. ووفقًا لهذا التفكير، يمكن للفلسطينيين أن يأخذوا فقط دور المتفرج، وأن ينتجوا فقط تدفقات لا نهاية لها من الصور ومقاطع الفيديو والأرقام المأساوية التي تظهر معاناتهم وكيف أنهم ضحية.
    بطبيعة الحال، كانت هناك استثناءات. فقد أصرت أصوات فلسطينية قوية، مثل الراحل إدوارد سعيد، وهشام شرابي، وغادة الكرمي، والخالدي نفسه، على مركزية فلسطين في الخطاب الفلسطيني.
    وفي وسائل الإعلام الغربية السائدة، ظهر الفلسطينيون أيضًا من حين لآخر، وإنما فقط ضمن حدود مقبولة ولغة مقيدة. ومثّل مسؤولو السلطة الفلسطينية، الملقبون بـ”المعتدلين”، الفلسطيني الطيب لمشاهدي “السي إن إن” وقراء “النيويورك تايمز”، بينما اعتُبر كل الآخرين إرهابيين ومتطرفين ومتعصبين، وبالتالي تم تجاهلهم ورفضهم تمامًا -على الرغم من أنهم كانوا، بكل وضوح، أقرب كثيرًا إلى التطلعات الحقيقية للفلسطينيين، خاصة إذا ما قورنوا بنخب “السلطة الفلسطينية” الفاسدة.
    وحتى أولئك القلة الذين أصبحوا المختارين تم إلغاؤهم في نهاية المطاف، خاصة خلال فترة إدارة ترامب -بل وحتى في الوقت الراهن تحت إدارة جو بايدن. وبما أنها لا توجد “عملية سلام” يمكن الحديث عنها، فإن “السلطة الفلسطينية” الرمزية ليست ذات أهمية بالنسبة حكومة الولايات المتحدة، وبالتالي، لوسائل الإعلام الأميركية.
    ومع ذلك، فإن التغيير نحو تمثيل فكري وإعلامي فلسطيني هو شيء حقيقي. إنه يحدث، ليس بسبب إحسان وسائل الإعلام أو بعض اليقظة الأخلاقية للسياسيين، وإنما بسبب أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم. وبينما تستمر الفصائل الفلسطينية في الخلاف، وتكافح من أجل مصالحها السياسية الخاصة، يصعد جيل فلسطيني جديد وموحَّد من المثقفين، مستلهماً وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن. وبالنسبة لهؤلاء المثقفين، لا ينبغي إعطاء الأولوية للفصيل أو الأيديولوجيا أو الامتياز السياسي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ليس فقط في الأراضي المحتلة، ولكن في جميع أنحاء فلسطين التاريخية والعالم.
    لا يجب تصنيف الأحداث المروعة التي هزت الأرض في فلسطين في أيار (مايو) الماضي على أنها مجرد حرب إسرائيلية أخرى و”جولة عنف” أخرى. لقد مثلت تلك الأحداث نقلة نوعية في تاريخ فلسطين، حيث ظهر الفلسطينيون أقل حزبية وأكثر وحدة من أي وقت مضى. ويمكن العثور على هذه الوحدة أيضًا في خطاب سياسي جديد يناصره المثقفون الفلسطينيون في جميع أنحاء العالم.
    إن حقيقة أننا نتحدث الآن بصراحة عن الحاجة إلى “استعادة السرد عن فلسطين” بينما لا نواجَه بالنظرات المشوشة وإنما بالتصفيق المدوي، إنما تقول الكثير عن النقلة النوعية الجارية. وهي الآن مسؤولية النشطاء الفلسطينيين الشباب أن يتولوا زمام القيادة ونقل رسالة الشعب الفلسطيني بحق بينما يواصل نضاله من أجل الحرية والعدالة.
    وليس هذا مجرد تمرين فكري. فمن دون هذا المثقف الفلسطيني الأصيل والمنخرط، ستستمر أولويات العالم في الانجذاب نحو الأولويات الإسرائيلية، وتجاه المصالح الأميركية ولغتهما الاحتيالية اللاحقة حول “السلام”، و”الأمن” وما إلى ذلك. يجب حذف هذه الرواية المضللة بالكامل من النقاش حول فلسطين.
    في الواقع، لكي تتحرر فلسطين، وينال الشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة وحتى يتحقق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، يجب أن يكون الذي يروي قصة فلسطين هم الفلسطينيون أنفسهم.

*رمزي بارود: صحفي ومحرر موقع “ذا بالستاين كرونيكل”. وهو مؤلف لخمسة كتب. آخر كتاب له هو “هذي السلاسل سوف تُكسَر: قصص فلسطينية عن النضال والتحدي في السجون الإسرائيلية” (كلاريتي برس، أتلانتا). وهو زميل باحث أول غير مقيم في مركز الإسلام والشؤون العالمي في جامعة الزعيم في إسطنبول.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: We Do Exist: Why the Palestinian Voice Should Take Center Stage

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock