ترجمات

لماذا يجب تدريس الفلسفة لطلبة المدارس؟

دانيال ليويتش* – (نيوزويك) 1/9/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ما الذي تعنيه دراسة الفلسفة؟
لسوء الحظ، يعتقد الكثير من الناس اليوم أن دراسة الفلسفة ترقى إلى لا شيء. وقد انتقد علماء بارزون، مثل نيل دي جراس تايسون، الفلسفة باعتبارها نشاطاً عديم الفائدة. كما قلل العديد من الفلاسفة، مثل لودفيغ فيتجنشتاين، من أهمية الفلسفة. واعتقد هؤلاء أنها ضرب ينتمي إلى الهراء الحرفي، والغوص في مشكلات إما أنها معضلات غير قابلة للحل، أو أنها ليست مشاكل حقاً من الأساس عند فحصها عن كثب.
تعتقد المفاهيم الشائعة التي تبرر عدم جدوى الفلسفة المفترض بأن دراستها لا تسفر عن أي فائدة عملية. وبمعنى آخر، يعتقد الكثيرون أن دراسة الفلسفة لن تترجم إلى نجاح مهني ومالي. ومع ذلك، فإن هذه الفكرة خاطئة تمامًا، مثلها مثل فكرة فيتجنشتاين عن عدم جدوى الفلسفة المفترض. ولم يكن لفيتجنشتاين تصور عن “ستاربكس”، وإلا لأمكن أن يستخدمه اليوم بعرضه على أنه المصير الوشيك لجميع المتخصصين في الفلسفة.
تُظهر الأبحاث أنه من بين جميع تخصصات العلوم الإنسانية المتاحة في الجامعات الحديثة، يتمتع المتخصصون في الفلسفة بأعلى نسبة دخل في جميع مراحل حياتهم المهنية بعد التخرج. ويبلغ متوسط الراتب الذي يتلقاه متخصص في الفلسفة مع 10 إلى 20 عامًا من الخبرة في سوق العمل ما يقرب من 82.000 دولار. ولا يُعد متخصصو الفلسفة بأي حال من الأحوال أغنياء بشكل عام، مثل أصحاب التخصصات التجارية مثلاً، لكنهم يعيشون بشكل مريح. ويعزى كسبهم مباشرة إلى دراستهم الفلسفة. ولا عجب في أن تكون الشركات الآن حريصة على توظيف موظفين يحملون شهادات في الفلسفة -ما أدى إلى ارتفاع قياسي في أعداد المتخصصين فيها. ومن بين جميع التخصصات غير المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، يُعد المتخصصون في الفلسفة من الناحية التجريبية الأكثر قابلية للتوظيف في مختلف المجالات. وسيكون تجاهل هذه الحقائق في ضوء نوعية الخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل، أو العمالة الناقصة، نوعاً من الإهمال العميق.
يجلب التخصص في الفلسفة مجموعة كاملة من المهارات العملية التي نادرًا ما توجد في أي مكان آخر في نظامنا التعليمي -خاصة عند التفكير في التعليم قبل الجامعي. وإحدى هذه المهارات هي تفسير وتوضيح الأفكار المعقدة والمجردة، مثل تلك الموجودة في العلوم. وهذه القدرة لا غنى عنها للمعلمين والكُتاب على حد سواء، الذين يكافحون في كثير من الأحيان في سبيل تطبيق هذه القدرات في عملهم. وعلى سبيل المثال، يرجع جزء كبير من سبب وجود الكثير من التردد في تلقي اللقاحات حاليًا إلى أن مسؤولي الصحة العامة فشلوا في شرح علم اللقاحات للجمهور بطريقة واضحة وسهلة الهضم. وبصراحة، لا يمتلك معظم الناس المنطق اللازم لاكتشاف مثل هذه المعلومات بأنفسهم. وسيكون مجتمعنا أفضل حالًا بكثير لو توفرت لمعظم الناس هذه المهارات الحيوية -التي يشكل تدريس الفلسفة طريقة شبه مضمونة لكسبها.
من ناحية أخرى، يتعامل نظامنا التعليمي مع أزمة في الاختبارات القياسية الموحدة. وعلى وجه التحديد، شهدت الولايات المتحدة انخفاضًا قياسيًا في العلامات التي تسجَّل في الاختبارات الموحدة خلال السنوات العديدة الماضية. على اليسار، مع شخصيات مثل عمدة مدينة نيويورك، بيل دي بلاسيو، نرى الآن محاولات لخفض معايير الاختبار. وعلى اليمين، يوافق الحزب الجمهوري على أننا في حاجة إلى إعادة التفكير في الاختبارات المعيارية، ولكننا لا نقترح حلولاً ملموسة.
لاقتراحي لتحسين تحصيل العلامات في الاختبارات الموحدة بيانات إمبريقية جيدة تدعم فعاليته، على عكس حلول دي بالاسيو أو الحزب الجمهوري غير الموجودة أساساً. وبالتحديد، يجب علينا تدريس الفلسفة في المدارس الابتدائية. عندما ننظر إلى أي التخصصات الجامعية هي التي حصلت على أعلى الدرجات في الاختبارات المعيارية على مستوى الدراسات العليا، مثل اختبارات GRE، وGMAT، وMCAT، وLSAT، فإننا نجد في كل هذه الاختبارات أن طلبة تخصص الفلسفة يحصلون على أعلى الدرجات في المتوسط. وقد فعلوا ذلك باستمرار لعقود حتى الآن. وهذا أقرب شيء إلى حل قابل للقياس تجريبيًا لمشكلة درجات الاختبار المتدهورة لدينا، وسنكون مقصرين إذا ما تغاضينا عنها.
ثمة سبب آخر لتدريس الفلسفة في أقرب وقت ممكن هو أن الفلسفة تنمي القدرة على أن نفكر لأنفسنا بطريقة نقدية بدلاً من من التفكير بشكل غير نقدي أو لإرضاء معلمينا أو آبائنا. في نظامنا التعليمي الحالي، تتم مكافأة الامتثال والاتباع الأعمى للقواعد، في حين يُعاقَب أي شيء ينحرف عن ذلك -بما في ذلك التفكير الحر. وتشير البيانات النفسية حول هذه المسألة إلى أن هذه الطريقة في التعليم تدفع المزيد من الأطفال في اتجاه الرضا عن الذات، والاعتمادية والابتذال، بدلاً من الاستقلالية والصراحة –حيث الأخيرتان أكثر مثالية من أن يستوعبهما ما ينتجه وضعنا الحالي.
بينما يتشكل جزء كبير من حياتنا الآن من خلال التحزب المفرط، والاعتقاد بالصواب السياسي والأيديولوجية العقائدية، فإن وجود المزيد من المفكرين الأحرار بين مواطنينا سيكون أكثر من مجرد نسمة من الهواء النقي، ويُحتمل كثيراً أن يحلّ مشاكلنا الثقافية والعملية الأكثر إلحاحًا. فالمنطق هو دراسة كيفية التفكير بشكل صحيح. وبالنظر إلى مناخنا السياسي الحالي -واتخاذ المناقشات السياسية الآن شكل تأكيدات على “تويتر” لا أساس لها في الغالب- ستكون هبة من السماء أن يتم تعليم الشباب كيفية التفكير بشكل صحيح.
الفلسفة تخصص يدرس فيه المرء مجموعة متنوعة من وجهات النظر حول الواقع -من الاشتراكية على المستوى الماركسي، إلى الليبرتارية على مستوى آين راند؛ ومن مسيحية القديس توماس الأكويني إلى إلحاد فريدريك نيتشه. وتتم فيها مناقشة نظرية العرق النقدية تمامًا مثل أي مجموعة أخرى من الأفكار السياسية أو الفلسفية. وليست الفلسفة انتقائية فيما تختار تدريسه -فمناهجها شاملة لكل شيء، ما يترك مساحة كبيرة للطلاب لاتخاذ قرارات وآراء عقلانية لأنفسهم، من خلال التعلم العميق للطريقة التي يفكرون بها ويجادلون بها، هم والآخرون.
إننا نحتاج جميعًا -أرباب العمل، وشركاء، وغرباء وأصدقاء- إلى مفكرين نقديين في حياتنا. ومن دونهم، سوف تتزايد حتمية الفوضى. والفلسفة واحدة من التخصصات الرسمية القليلة المتبقية التي تعلم المرء كيف يصبح مفكرًا نقديًا. ويجب أن نعلم الفلسفة للأطفال في وقت مبكر حسب الاقتضاء. وكما قال الفيلسوف إيمانويل كانط: “من الأخشاب المعوجة للبشرية لم يُصنع أي شيء مستقيم على الإطلاق”. ولسوء الحظ، أصبح تعليمنا الحالي معوجاً تمامًا، لكننا سنحسن صنعاً إذا ما عمدنا إلى تقويمه بالفلسفة. وبالطريقة نفسها، يجب أن نعلم التاريخ من دون قيود، وينبغي أن نفعل الشيء نفسه مع الأفكار.

*Daniel Lehewych: طالب دراسات عليا في الفلسفة في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك، متخصص في علم النفس الأخلاقي والأخلاق وفلسفة العقل. وهو كاتب مستقل، وربّاع، ومتحمس للعلوم الصحية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Children Should be Taught Philosophy in School
هامش:
*ستاربكس Starbucks، أكبر سلسلة مقاهٍ في العالم. أسسها في العام 1971 جيري بالدوين وزيف سيغل وجوردون بوكر، ويقع المقر الرئيسي للشركة في سياتل، واشنطن. بيعت لشركة هوارد تشولز في أوائل الثمانينيات، التي قامت بتوسيع الشركة إلى سلسلة عالمية. توسعت الشركة منذ ذلك الحين في مجال الطعام وجعلت العلامة التجارية لقهوتها متاحة في محلات البقالة. يقصد الكاتب بذكره أن التصور ربما يكون أن متخصصي الفلسفة لن يجدوا عملاً سوى عاملي خدمة في المقاهي وما شابه.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock