أفكار ومواقف

لماذا يرفض النواب شمول قضايا الشيكات بالعفو؟!

في وقت يرمي فيه النواب بكل ثقلهم وراء التوسع بقانون العفو العام، إلى الدرجة التي يطرح فيها البعض شمول حتى قضايا تعاطي المخدرات وبعض الجرائم المقززة للنفس البشرية إن أسقط فيها الحق الشخصي، فإن من المثير للاستغراب والاستهجان أن يخالف النواب الحكومة بمشروعها ويصر على عدم شمول العفو للجانب الجزائي لقضايا الشيكات المالية، والإصرار على الحبس فيها!
ويناقض النواب أنفسهم عندما تحمل أغلب خطاباتهم بمناقشات العفو العام ضرورة التوسع به ليشمل أعدادا أوسع من المواطنين لمنحهم فرصة جديدة بالحياة وبما ينسجم مع فلسفة ومفهوم “العفو العام”، فيما يصر نواب على استثناء عشرات الآلاف من المحكومين والملاحقين بقضايا الشيكات من هذه الفرصة، رغم ان هذه القضايا مالية بحتة وفيها مليون ملابسة وتفصيلة، وان المطلوب فيها فقط إسقاط الجانب الجزائي مع ضمان الحق المالي للمتضرر.
قد تكون قضايا الشيكات المالية وتفاقمها خلال السنوات القليلة الماضية احدى القضايا المسكوت عنها في نقاشات الرأي العام حيث لا تأخذ حقها من النقاش الحقيقي والتوصيف الموضوعي، تماما مثل قضايا حجز البنوك على شقق المقترضين بأعداد كبيرة سنويا لعجزهم عن الالتزام بتسديد الأقساط البنكية، حيث تشير آخر إحصائية متوفرة إلى أن البنوك حجزت وباعت بالمزاد العلني خلال العام 2015 نحو 5300 شقة لعجز اصحابها عن سداد الأقساط، فيما يتوقع ان يكون هذا الرقم قد ارتفع خلال آخر ثلاث سنوات مع تعمق الأزمة الاقتصادية والمعيشية وانسحاق الطبقة الوسطى.
ورغم عدم توفر سوى بعض التقديرات الصحفية لأعداد المطلوبين للتنفيذ القضائي بقضايا مالية وشيكات بلا رصيد، وتصل إلى 180 الف مطلوب ونحو 100 الف قضية منها منظورة امام المحاكم، فإن المتابع والمراقب يلحظ التزايد الكبير لهذه القضايا في ظل تعمق الأزمة الاقتصادية والمعيشية، والعجز المتفاقم للناس عن مجاراة تكاليف الحياة وسط تآكل الدخول وتزايد أعباء الضرائب والرسوم وموجات رفع الأسعار وكلف مختلف القطاعات.
ربما كانت القضية الأكثر تفاعلا من قبل الرأي العام في هذا السياق، هي قضية الغارمات، وهن بالمئات أو الآلاف، ممن يعانين من ملاحقة التنفيذ القضائي لتحصيل ديونهن، بعد أن عجزن وأسرهن عن السداد جراء الأوضاع الاقتصادية العامة. لكن مثل الغارمات، فثمة مئات إن لم يكن الآلاف من التجار، دفعوا هم ايضا ضريبة الانهيارات الاقتصادية وتعمق الازمة في البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، فتعثرت تجارتهم وتفاقمت خسائرهم واغلقت محالهم وشركاتهم، وباتوا ملاحقين قضائيا مقابل الشيكات التي التزموا بها في تجارتهم.
ويكفي متابعة الاخبار والبيانات التي تعلنها مديرية الامن العام بصورة دورية وشبه اسبوعية، لمعرفة حجم هذه المشكلة، حيث الاعلان عن قبض التنفيذ القضائي لعشرات المطلوبين وبينهم –دائما- مطلوبون بقضايا مالية وشيكات بأرقام كبيرة، ورغم أن مثل هذه الاخبار لا تبث تعاطفا في الغالب مع ضحاياها باعتبارها صماء، فان المدقق فيما وراءها يعرف ان هناك تجارا كبارا ومواطنين كانوا يفتحون محال وشركات تجارية توظف الواحدة منها العشرات والمئات قبل ان تطالها كارثة النهج الاقتصادي العام برفع كلف الانتاج والضرائب والرسوم وضرب القدرات الشرائية للمواطنين.
كما أن آلافا وربما عشرات آلالاف من الملاحقين بقضايا الشيكات قد لا تتجاوز قيمة شيكات الواحد الألف دينار، لم يعجز عن دفعها إلا بعد أن انهارت الأوضاع المعيشية، أفلا يستحق مثل هؤلاء فرصة جديدة بإنقاذهم وعائلاتهم من السجن عبر العفو العام؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock