ترجمات

لماذا يريد البعض حلّ السلطة الفلسطينية؟

جوشوا ميتنيك – (كرستيان سينس مونيتور)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رام الله (الضفة الغربية)– تسعى السلطة الفلسطينية الآن إلى إعادة تجميع صفوفها بعد إعلان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رسمياً عن وفاة مسعاها للحصول على عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة.
وبعد إعلان المجلس يوم الجمعة قبل الماضي، عادت العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية إلى ركودها المألوف في الأسبوع الماضي. ففي المحادثات التي جرت مع اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا) يوم الخميس قبل الماضي، سعت إسرائيل إلى العودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين من دون شروط مسبقة، بينما أصر الفلسطينيون على تجميد الاستيطان قبل استئناف المحادثات.
ويشكل فشل محاولة إقامة دولة فلسطينية لدى الأمم المتحدة نكسة للسلطة الفلسطينية المحاصرة، والذي بات يعمل على زيادة حدة الجدل حول مستقبلها بعد ما يقرب من عقدين من تنصيبها كحكومة انتقالية. وفي العامين الماضيين، كانت السلطة الفلسطينية قد حظيت بالثناء الدولي بسبب حملة الإصلاح التي نفذتها تحضيراً للاستقلال. أما الآن، ووسط تزايد الإحباط من الاعتقاد بأن السلطة الفلسطينية ما هي إلا واجهة فلسطينية للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، فيشير مسؤولون فلسطينيون إلى أنهم ربما يتخلون عن مكاسب السلطة الفلسطينية من خلال تفكيك الحكومة طوعاً، وتسليم المسؤولية عن الإدارة اليومية لإسرائيل.
وقال هاني المصري؛ وهو محلل فلسطيني مقرب من السلطة الفلسطينية، إن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني أبلغ نظراءه في الجيش الإسرائيلي بأن السلطة الفلسطينية تخطط للبدء في نقل السلطة عن الصحة والتعليم وإعادتها إلى إسرائيل، وهو ما ينطوي على إمكانية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء 17 عاماً عندما كانت إسرائيل تتولى السيطرة المباشرة على الإدارة اليومية للفلسطينيين.
ويعكس هذا التحرك المضاد حالة الإحباط الناجم عن عدم إحراز تقدم في عملية السلام، ويترافق مع تصاعد التحذيرات المتكررة من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أنه سوف يستقيل إذا تأكد من أن المفاوضات سوف لن تثمر على الإطلاق. وكان السيد عباس قد أعلن السبت قبل الماضي أنه لن يحلّ السلطة الفلسطينية، رغم المحاولة الفاشلة في الأمم المتحدة، لكن التخمينات تبقى قائمة مع ذلك.
وتعد كل من تهديدات عباس بالاستقالة ودعوة الآخرين لتفكيك السلطة الفلسطينية، بمثابة سياسة حافة الهاوية، لأنها تهدد بوجود فراغ في السلطة في الضفة الغربية، والتي سيكون من شأنها أن تسبب الصداع لإسرائيل والمجتمع الدولي. وقد تعكس أيضاً حالة عدم اليقين بشأن ما ينبغي القيام به الآن، وبحيث يمكن أن تنتقل حملة الفلسطينيين المثيرة للجدل للحصول على عضوية الأمم المتحدة إلى مرحلة مختلفة.
الفلسطينيون على مفترق طرق
تعكس الحملة المتزامنة للاعتراف بالدولة والتهديد بحل السلطة نوعاً من الفصام لدى الفلسطينيين، كما يقول السيد المصري؛ مدير مركز “بديل” للأبحاث في رام الله. ويضيف: “يشير هذا إلى وجود أزمة في الوضع الفلسطيني. إن السلطة الفلسطينية تقوم بإرسال رسائل متناقضة”.
وقال المصري إن السيد عباس لم يتخذ قرارا نهائياً بشأن ما إذا كان كان سيعتمد استراتيجية جديدة من أجل إقامة الدولة بدلاً من المفاوضات. وقال: “إنه متردد. فهو لا يستطيع المضي في الطريق القديم نفسه، ولا يمتلك الشجاعة لسلوك طريق جديد”.
المؤيدون الفلسطينيون للسيد عباس يشكون من أن السلطة الفلسطينية -التي أنشئت أصلاً في العام 1994 لتكون هيئة انتقالية مدتها خمس سنوات تحضيراً للسيادة الفلسطينية الكاملة- قد تحولت إلى كيان دائم، والذي أصبح يعمل كوكيل من الباطن للاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية.
ويقول باسم زكارنة؛ رئيس نقابة عمال السلطة الفلسطينية: “حتى الآن ليست لدينا أي سلطة، إننا نقوم فقط بتوزيع الأموال على الناس. إن إسرائيل تريد السيطرة على الأمور وأن تجعلنا مثل إدارة مدنية تابعة للجيش. يجب أن تكون إسرائيل مسؤولة عن كل شيء، وسوف نعود نحن إلى مقاومة الاحتلال”.
تكتيك رُعب؟
قبل ما يزيد قليلاً على أسبوعين، قامت هيئة عليا في حركة فتح التي يتزعمها السيد عباس بتشكيل لجنة لإعادة النظر في مستقبل السلطة الفلسطينية. ويأتي الحديث عن حلّ السلطة الفلسطينية في الحقيقة وسط مخاوف من احتمال إفلاس حكومة الحكم الذاتي إذا عمدت كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى وقف تحويل الأموال إليها كعقوبة لها على حملة إقامة الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة.
وكانت إسرائيل قد جمدت في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) دفع نحو 100 مليون دولار من أموال الضرائب الشهرية التي تحصلها نيابة عن السلطة الفلسطينية -وهي خطوة جاءت احتجاجاً على قبول الفلسطينيين عضواً في منظمة اليونسكو. ويضع ذلك الرواتب الشهرية لحوالي 152.000 موظف في خطر، لكن السلطة الفلسطينية تمكنت من إيجاد المال اللازم لدفع الجولة الأخيرة من الرواتب في موعدها.
وفي وقت سابق من الأسبوع قبل الماضي، حذر مبعوث الأمم المتحدة في الشرق الأوسط، روبرت سيري، إسرائيل والمجتمع الدولي من ضرورة أن تأخذ إسرائيل تحذيرات السيد عباس والفلسطينيين على محمل الجد. وقال السيد سيري لصحيفة هآرتس الإسرائيلية الليبرالية، متحدثا عن إسرائيل: “أنا لا أريد أن أبدو مروعاً. لكنه في حال ساءت الأمور، فلا تتوقعوا من المجتمع الدولي إنقاذكم. إننا لن ندفع الفاتورة”.
ويرى آخرون أن السيد عباس وحركة فتح التي يتزعمها ليسا على وشك التنازل عن السلطة والمساعدات المالية بسرعة، خوفا من احتمال أن تعمد حماس إلى ملء الفراغ وإقصائهم.
وقال دبلوماسي غربي مقيم في المنطقة: “إنهم (الفلسطينيين) يستخدمون ذلك كوسيلة لتخويف المجتمع الدولي. لا أظنهم يعتقدون بأن الحكومة الإسرائيلية تهتم. لكنهم يأملون في احتمال أن يدعمهم المجتمع الدولي من خلال الضغط على الإسرائيليين”، وأضاف: “عندما تتجول في أنحاء رام الله، فإنك تشاهد الكثير من سيارات الدفع الرباعي والكثير من المال، وكل ذلك لأن رئيس السلطة الفلسطينية؛ محمود عباس، يريد أن يترك وراءه إرثاً. لكنه إذا قام بحزم أمتعة السلطة الفلسطينية، فإنه سيترك وراءه الفوضى”.
ويقول محمد اشتية؛ الوزير السابق في السلطة الفلسطينية وأحد مفاوضي السلام، إن قادة في حركة فتح يريدون إعادة تعريف الكيفية التي تعمل بها السلطة الفلسطينية بدلاً من تفكيكها. وقال مسؤولون فلسطينيون إنهم قد يعيدون النظر في التعاون مع إسرائيل، خصوصا التعاون بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية في الضفة الغربية.
لماذا قد يأتي هذا بنتائج عكسية؟
هاجم أحد المشرعين الفلسطينيين المنحازين إلى حماس الحديث عن حل السلطة الفلسطينية، باعتباره “عملاً يائساً” من جانب المسؤولين الفلسطينيين الذين يريدون أن يظهروا للناخبين أنهم يقفون في وجه إسرائيل، في وقت وصلت فيه المفاوضات إلى طريق مسدود. وقال أيمن ضراغمة؛ عضو المجلس التشريعي من حزب الإصلاح والعدالة الذي تدعمه حماس: “إن تفكيك السلطة الفلسطينية لن يخدم الفلسطينيين، لكن وقف التعاون مع إسرائيل سيحقق أهدافنا”.
ربما يأتي تفكيك السلطة الفلسطينية طوعا بنتائج عكسية من خلال إضعاف شعبية عباس، المعروف أيضاً باسم أبومازن، ويحذر علاء ياغي؛ وهو مشرع من حركة فتح التي يتزعمها عباس، بالقول: “ربما لن يفهم معظم الناس أبداً لماذا قد يتخذ أبومازن هذا القرار، وسوف يلومون أبومازن وقيادة فتح”.
وفي الواقع، يقول سعيد السمهوري؛ وهو موظف في وزارة التعليم، إنه يعارض مثل هذه الخطوة لأن من شأنها أن تحرم أسرته من راتبه الشهري البالغ نحو 1300 دولار. ويقول: “لا أستطيع تحمل عدم قبض راتبي، ليست لدي أرض لأعتمد عليها”. ويضيف: “إن تفكيك السلطة الفلسطينية هو قرار متطرف، ولا أعتقد أن أبومازن يجب أن يلجأ إليه الآن. يجب أن يسمح للدبلوماسية بأن تأخذ مجراها. إنني رجل وطني، وأريد أن أدعم حكومة بلادي، لكنني لا أملك أي وسيلة للعيش سوى راتبي وراتب زوجتي”.
تكتيك لتعزيز إمكانية الضغط؟
ينظر معظم المراقبين الإسرائيليين إلى الحديث عن تفكيك السلطة الفلسطينية على أنه تهديد يهدف إلى كسب نقاط على طاولة المفاوضات عندما يعود الجانبان إلى الحديث.
ولكن، وبعد سنوات من التحذيرات المماثلة، ثمة القليلون في إسرائيل ممن يأخذون كلام الفلسطينيين بجدية. ومع ذلك، سوف يكون من شأن مثل هذا السيناريو أن “يعرينا كدولة محتلة ضد مجموعة من السكان المدنيين الذين بلا حماية -وهو وضع حساس فيما يتعلق بالعلاقات القانونية والعامة”، كما قال موشيه مرزوق؛ المستشار السابق للشؤون العربية في الجيش الإسرائيلي، في مقابلة مع الموقع الإخباري الإسرائيلي، واي نِت.
لكن عضو حركة فتح، السيد ضراغمة، يبقى أقل اقتناعاً بما إذا كان التهديد بحل السلطة سيمنح الفلسطينيين أي رافعة جديدة للضغط على إسرائيل وترجيح كفة التوازن الاستراتيجي بين البلدين. إن الاستسلام طوعاً للمساعدات الدولية ومعدلات البطالة المتصاعدة بشكل كبير سوف يشكلان خطراً على بقاء حركة فتح نفسه. ويصف ضراغمة المواجهة الفلسطينية مع الولايات المتحدة وإسرائيل حول مستقبل السلطة الفلسطينية بتعبير عربي مألوف، فيقول: “إن الأمر أشبه بلعبة عضّ الأصابع. وسيفوز الطرف الذي يستطيع احتمال الألم أكثر”.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Israeli-Palestinian jolt? Why some want to dismantle PA.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock