تحليل إقتصادي

لماذا يعد الذهب معدنا قيما؟

ترجمة: ينال أبو زينة

لماذا يعد الذهب معدنا قيما؟ سؤال كثيرا ما أطرحه على نفسي من بين الفينة والأخرى، وهنا، عند هذه النقطة بالتحديد، آخذ نفسا عميقا وأتنهد. وأحيانا أفرك عيني لأنني أعي جيدا عدم وجود إجابة مباشرة لهذا السؤال.
ولكننا نستطيع، بالتأكيد، أن نميز بين “القيمة” و”الثمن”، فسعر الذهب مجرد انعكاس لقيمته بالنسبة للمُشتري وقت قيامه بعملية شراء.
ولكن، علينا أن نُلقي نظرة على جزء صغير من التاريخ لنعلم لماذا يتمتع الذهب بقيمة حقيقية فعلية.
رغم أننا لن ندرك ما حدث تماما بالتأكيد، إلا أنه يمكننا أن نفترض أن أول من اكشتفوا الذهب لم يعتقد ولو لبرهة أن هذا المعدن سيحمل مع مرور الوقت قيمة نقدية أساسية.
وبشكل طبيعي، لم يقم مكتشف الذهب أو مكتشفيه بالتقاط قطعة منه عن الأرض ومن ثم إتباع ذلك بتفكير عميق قائلين: “آه،  قد جنينا بعض المال”، لاسيما أن المعتقد السائد يقول أن أول مكتشفي الذهب كان قد تفحصه بفضول ليس أكثر.
ومع مرور الوقت، ومع اكتشاف مزيد ومزيد من الذهب، عُرف هذا المعدن النفيس على الأغلب بلمعانه ولونه الأخاذ.
وحدث أن الذهب هو المعدن الوحيد، إلى جانب آخر فقط، بين المعادن الذي يملك لونا مذهلا في شكله النقي. والآخر المذكور هو النُحاس. وبالنسبة إلى ما تبقى من معادن مُكتشفة، فهي تكون إما فضية اللون أو بيضاء أو رمادية في شكلها النقي. وهذا ما يجعل من الذهب سهل التمييز ويسير التحديد بينها.
وبالإضافة إلى تميزه عن غيره بلونه الطبيعي، عُرف عن الذهب كونه معدنا نادرا أيضا. وما يزال نادرا حتى يومنا هذا. وتقترح التقديرات أن هناك كمية تقل عن 6.5 مليون أونصة من الذهب المنقى (المكرر) فوق الأرض الآن. وفي حال تذويب الكمية كاملة وصبها في مكعب واحد، سيقاس بـ23 متراً تقريباً على كل جانب (تخيل الأمر على مصطح ملعب كرة قدم).
وهذا كل شيء، هذا هو كل الذهب الذي يملكه العالم. ولدى احتساب الأمر بطريقة مختلفة، هناك أقل من نصف أونصة من الذهب المُكتشف لكل شخص على سطح الأرض.
وفي مرحلة من المراحل، عُرف الذهب أيضاً بخصائصه المادية المميزة، فهو أكثر المعادن معاندة للتفاعل (حتى مع الأكسجين)، فضلاً عن كونه حميداً في كل البيئات. وبالإضافة إلى ذلك، فهو معدن لا يتأكسد أو يتآكل أو يتشوه مع مرور الوقت.
ورغم أننا لن نعرف بالضبط، إلا أنني أظن أن الذهب عُرف للونه وندرته وبعض خصائص الفيزيائية الخاصة، لوقت طويل قبل أن يمتلك قيمته النقدية.
ومن المقبول على نطاق واسع أن أول الاقتصادات البشرية استندت إلى نظم المقايضة وتبادل الهدايا، بينما جاءت فكرة النقود (الوسيلة المعيارية للتبادل التجاري) في وقت لاحق تلبيةً لاحتياجات أو رغبات تخزين الأعمال التجارية وإعطائها قيمة.
وكان أول شكل للنقود، كما نعلم، هو حجر السبج البركاني، الذي استخدم في التجارة المنظمة قبل 11 ألف عام مضى، وفقاً لعلماء الآثار. ومن ثم لبت الثورة الزراعية مزيداً من الاحتياجات البشرية. وبعد أن أصبحت الاحتياجات البشرية أكثر تطوراً وتهذيباً، ظهرت الحاجة إلى وسيلة معيارية على المدى المتوسط لممارسة الأعمال التجارية (مشهورة بين جميع المجتمعات) يمكن استخدامها في سوق التجارة الأوسع. وهنا بدأت المعادن، مثل الذهب، تدخل المُعادلة.
ولم يحدث الأمر بين ليلة وضحاها، لكن الذهب أمسى خياراً طبيعياً للاستخدام في العمليات التجارية، كوسيلة معيارية ذات قيمة للتبادل التجاري بسبب ندرته وسهولة نقله ومقاومته الصدأ والتآكل، فضلاً عن سهولة تمييزه بين المعادن الأخرى أيضاً. وأصبح الذهب، عند إذ، يملك قيمة نقدية.
ولكن رحلة الذهب، من مجرد معدن يبعث على الفضول إلى استخدامه كعملة نقدية، لا يجيب بشكل كامل عن سؤال “لماذا يعد الذهب معدناً قيماً؟” ولكنها ترينا، رغم ذلك، أن خصائص الذهب المادية جعلت منه ركيزة في إثبات العمليات التجارية وضمان الحقوق، إلى جانب اعتباره وسيلة معيارية ذات قيمة حقيقية للتبادل التجاري. وبالتالي، إنها الفائدة النقدية التي تجعل للذهب قيمته الحقيقية الفعلية.
ولكن، هناك قيمة أخرى ترتبط بالذهب يصعب كثيرا تعريفها وتحديدها. وذلك لأن القيمة أمر فسيولوجي تماما في طبيعتها.
وفي نقاط تاريخية معينة، لاحظ الفلاسفة والمفكرون الدينيون خصائص الذهب الطبيعية، ليصبح هذا المعدن موطن تركيز رمزيا أيضاً (حيث رمز للمعرفة والنقاء والصبر والحكمة وغيرها)، كما واستخدمته الأديان للتعبير عن تعظيمهم لآلهتهم أو كتبهم المقدسة.
وما يزال الذهب يستخدم في رموز الأديان حتى يومنا هذا. ويعلم كل طفل مسيحي في مدرسة “ساندي (الأحد)” ما هي “القاعدة الذهبية” او “الشوارع المصنوعة من الذهب”.
ويأتي أكثر استخدامات الذهب كرمز، بالنسبة لي، من خيمياء القرون الوسطى. فنحن نعلم معظم خيميائيي القرون الوسطى من خلال سعيهم الدؤوب نحو تحويل الرصاص إلى ذهب. ولكن تحويل الرصاص إلى ذهب، في جزء كبير منه، أمر مجازي: تعتبر عملية تكرار الذهب من معدن خام إلى معدن نقي عملية شاقة، وتتطلب العديد من المواد الكيميائية قوية التأثير إلى جانب الحرارة الشديدة، الأمر الذي ربطه فلاسفة الخيمياء بعدد من المسائل، والتي يبرز منها العلاقة بين التقدم في السن (ونيل الحكمة) والمصائب (والتمتع بالصبر).
“إنيرجي آند كابيتال، لوك بورغيس”

comp.news@alghad.jo

انتخابات 2020
12 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock