ترجمات

لماذا يعرضنا عصر الإفلات من العقاب جميعًا للخطر؟

ديفيد ميليباند* – (ذا نيو ستيتسمان) 29/11/2021
علاء الدين أبو زينة

على الرغم من أن الصراع بين الدول نادر الآن تقريباً، فإن الصراع المدوّل داخل الدول (حيث يتلقى جانب واحد من المتصارعين على الأقل دعمًا مباشرًا من حكومات أخرى تشارك بنشاط في النزاع) قد انتشر في العقد الماضي، مع وجود حوالي 30 صراعًا نشطًا من هذا النوع. ويرتبط تزايد حالات الإفلات من العقاب بشكل وثيق بالتدويل المتزايد للنزاعات الأهلية.\

  • * *
    الميزان المتغير للقوة الاقتصادية والسياسية في العالم هو واحد جغرافي -مع حدوث تحوُّل من الغرب إلى الشرق- لكنه أيديولوجي أيضًا. وهناك مكونان لهذا الانقلاب الأيديولوجي في وجهة المد: أولاً، أن الاستبداد آخذ في الارتفاع والديمقراطية في تراجع؛ وثانيًا، تقوم مساعي تأكيد السيادة الوطنية بتحدي القانون الدولي بشكل متزايد.
    وفقًا لـ”وحدة المعلومات الاقتصادية”، يعيش 8.4 في المائة فقط من مواطني العالم في بلدان مصنفة على أنها “ديمقراطية بالكامل”. ويقول مشروع “أنواع الديمقراطية” بجامعة جوتنبرغ إننا نعيش “موجة ثالثة من الحكم الاستبدادي”، ولديه البيانات التي تدعم هذا الاستنتاج.
    وفي الأثناء، سلط تقرير “الاتجاهات العالمية 2040″، الصادر عن “مجلس الاستخبارات القومي الأميركي”، الضوء على أن “سيادة القانون” ستكون تحت التهديد في العلاقات الدولية بحلول العام 2040. لكنها في حالة تراجع اليوم.
    ويعزز هذان الاتجاهان بعضهما بعضا. وقد طرح جون إيكينبيري، الأستاذ في السياسة والشؤون الدولية بجامعة برينستون، حجة مقنعة مفادها أن بناء النظام الدولي القائم على القواعد بعد العام 1945 كان بمثابة حصن ضد التآكل الديمقراطي. ولذلك، فإن ما يسمى اليوم بـ”الركود الديمقراطي” يقوض القانون والمؤسسات الدولية، كما يقوض التراجع عن مبادئ ومثل النظام القائم على القواعد الترتيبات الديمقراطية في الوطن.
    وثمة واحد من هذه المبادئ كان راسخاً جيداً بشكل خاص، وبالتالي فإن تآكله أكثر خطورة. ويتعلق الأمر بحقوق المدنيين (وعمال الإغاثة) في مناطق النزاع. وهي في الحقيقة مسألة حياة أو موت. وكانت اتفاقيتا جنيف والأمم المتحدة واضحتين بشأن الحق في الحياة للمدنيين في أماكن الصراع. ولا يمكن أن يكون القانون الدولي أكثر وضوحًا أو أكثر شمولية عندما يتعلق الأمر بتحديد واجبات أطراف النزاع من أجل تجنب قتل المدنيين.
    لكن ما يقلقني هو أنه إذا تعذرت حماية الحياة المدنية في مناطق النزاع، حيث يُقصد من اتفاقيات جنيف أن تسود، فأي أمل سيتبقى إذن عندما يتعلق الأمر بقضايا حقوق الإنسان الأكثر صعوبة، في الأماكن حيث ليس هناك نزاع رسمي، وحيث قوانين الحرب أقل صلة، وحيث يكون القانون الدولي الإنساني أقل تطورًا؟ وبهذا المعنى، تكون دراسة الحالة الخاصة بالخسائر في أرواح المدنيين في مناطق النزاع هي مجرد قمة جبل الجليد عندما يتعلق الأمر بالحصانة والإفلات من العقاب. ومع ذلك، في مناطق الصراع، أصبح الإفلات من العقاب هو النظام السائد اليوم.
    في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، صوت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضد تجديد ولاية فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة في اليمن. وتمثل هذه الخطوة انقلاباً بالنسبة لقوى الحصانة. ففي نهاية المطاف، كانت مجموعة الخبراء البارزين هي الآلية الدولية المستقلة والحيادية الوحيدة العاملة في أكبر أزمة إنسانية مشتركة في العالم (مع أفغانستان).
    لقد تعرض المدنيون اليمنيون لقصف حافلات مدرسية وهجمات على المستشفيات وأساليب شبيهة بالحصار تمنع استيراد الأغذية والأدوية المنقذة للحياة. وبالنسبة لهم، يشكل فقدان فريق الخبراء البارزين ضوءًا أخضر يبيح لكلا الطرفين المتصارعين اتباع أكثر التكتيكات الممكنة وحشية في الحرب.
    وهذا مهم خارج اليمن أيضاً لأنه جزء من اتجاه عالمي. ثمة أعداد متزايدة من ضحايا الحرب من المدنيين -حيث يُقتل ما معدله 38.500 مدني في النزاعات كل عام، أي أكثر من ضعف المتوسط قبل خمسة أعوام، وما يقرب من سبعة ونصف ضعف المتوسط في العام 2008. وهناك المزيد من الهجمات التي تُشن على المرافق الصحية: بدلاً من الركون إلى الهدوء خلال تفشي الوباء العالمي، تفاقمت هذه الهجمات فحسب، حيث قتل عدد أكبر من العاملين في مجال الرعاية الصحية في العام 2020 مقارنة بالعام 2019. وهناك المزيد من التطهير العرقي. وهناك المزيد من عمليات القتل لعمال الإغاثة. وهناك المزيد من المدنيين الذين يفرون من مناطق الصراع: وقد تم تسجيل رقم قياسي بلغ 79.5 مليون لاجئ ونازح حول العالم.
    وصف “فريق الخبراء البارزين” التابع للأمم المتحدة ما يحدث في اليمن بأنه “جائحة الإفلات من العقاب”، ولكن نظرة إلى جميع زوايا العالم تشي بأننا نعيش في ما لا يمكن وصفه إلا بأنه “عصر الإفلات من العقاب”. من سورية إلى اليمن، ومن إثيوبيا إلى الصومال، وإلى نيجيريا إلى أفغانستان، تتصرف الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية كما لو أن القانون وُضع للحمقى -لأنه كذلك حقاً.
    على الرغم من أن الصراع بين الدول نادر الآن تقريباً، فإن الصراع المدوّل داخل الدول (حيث يتلقى جانب واحد من المتصارعين على الأقل دعمًا مباشرًا من حكومات أخرى تشارك بنشاط في النزاع) قد انتشر في العقد الماضي، مع وجود حوالي 30 صراعًا نشطًا من هذا النوع. ويرتبط تزايد حالات الإفلات من العقاب بشكل وثيق بالتدويل المتزايد للنزاعات الأهلية. وقد أدى اشتراك المزيد من الأطراف في النزاعات إلى مزيد من الانتهاكات للقانون الدولي -على سبيل المثال، الضربات الصاروخية ضد سيارات الإسعاف في سورية، وخطف أطفال المدارس في نيجيريا، وقتل عمال الإغاثة في إثيوبيا- على يد الدول وكذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية التي لدى الكثير منها موردون أجانب للبنادق والموارد.
    شهدت الأعوام الخمسة عشر الماضية تحولا كبيرا من التزام العام 2005 بـ”مسؤولية الحماية” التي مثلت ذروة الالتزام العالمي بالمساءلة. وفي كل الحديث عن منافسة القوى العظمى على مدى العقد المقبل، التي هي في جوهرها تنافس بين الولايات المتحدة والصين، ثمة خطر فقدان منافسة حاسمة وموازية -بين المساءلة، وهي عملية شاقة وبطيئة وغالبًا ما تكون غامضة السمات والتعريفات؛ والإفلات من العقاب، وهو مجاني -ولكنه سريع. وسوف تكون هذه منافسة صعبة.
    سوف يكون السبيل الوحيد للعودة هو بذل جهود منسقة لتغيير ميزان القوى -بإعادة تأكيد ما أسماه جون كينيث غالبريث في العام 1952، متحدثاً عن الاقتصاد الأميركي، “القوة التعويضية”. وفكرة القوة التعويضية بسيطة: عندما يكون سبب الإفلات من العقاب هو عدم توازن القوى لصالح الأقوياء، فإن استعادة التوازن تتطلب تدخل قوة تعويضية موازِنة.
    عندما يعيش الإفلات من العقاب ويزدهر على السرية، تتطلب المساءلة الشفافية. وحيثما يسمي الإفلات من العقاب التحقيقات “تدخلاً أجنبياً”، ينبغي أن تصر السلطة التعويضية على كشف الحقائق. وحيث يؤدي الإفلات من العقاب إلى اختلال في موازين القوى، فإن القوة التعويضية تسعى إلى إصلاح التوازن، مع القوة المعارضة في المقابل.
    إن التحدي الذي يواجه البلدان التي تشعر بالقلق إزاء تزايد الإفلات من العقاب هو، أولاً، التأكد من أن أفعالها ترقى إلى مستوى معايير المساءلة، سواء في الداخل، على سبيل المثال من خلال الولاء للقانون الدولي، أو في الخارج، على سبيل المثال من خلال إجراء التحقيقات المستقلة في الانتهاكات المزعومة للقانون. وهذا يجعل من عدم مبالاة الحكومة البريطانية بشأن انتهاك القانون الدولي أكثر من مجرد مصلحة عابرة. إن هذا ينتمي بالضبط إلى نوع النفاق الذي يعتقد الروس والصينيون أنه يحدد صنع السياسة الغربية، ويجعلها موضع تساؤل.
    ثانيًا، يجب أن تتحد هذه البلدان معًا لرفع الثمن السياسي والاقتصادي والقانوني لمحاولة الإفلات من العقاب. يجب رفع ثمن الجهود المبذولة للتستر على الانتهاكات، وقد أظهرت المنظمات المستقلة، مثل “بيلينغكات” Bellingcat قدرة مذهلة على الوصول إلى كشف حقيقة ما يحدث حقاً. ويجب أن تتولى المنظمات الإقليمية والمتخصصة، مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، مهمة التحقيق والإبلاغ عن الانتهاكات وإسنادها إلى مرتكبيها بشكل مستقل.
    بعد ذلك، يجب تعبئة الأدوات القانونية. إن عمل الحكومة الألمانية في دعم الملاحقات القضائية في المحاكم الألمانية للسوريين المتهمين بارتكاب جرائم، باستخدام مبادئ الولاية القضائية العالمية، هو تحذير قوي بأن الوصول إلى العدالة يمكن أن يكون عالميًا. ويمكن للولاية القضائية العالمية أن تكون بمثابة طريق بديل إلى العدالة عندما يتم إغلاق طريق الوصول إلى المحاكم الدولية.
    كما أن العصا الاقتصادية مهمة أيضًا، على الأقل في شكل عقوبات تتبع نموذج “ماغنتيسكي” Magnitsky، والتي تستهدف المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد. وإذا كان مصنعو الأسلحة وممولوهم لا يريدون استخدام منتجاتهم لقتل المدنيين، فعليهم أن يدعموا وضع ضوابط أشد صرامة على تصدير الأسلحة.
    يجب ألا تعني “منافسة القوى العظمى” خروج المبادئ من النافذة. في صراعات مثل التي تحدث في اليمن وسورية وإثيوبيا، سوف تُكسَب معركة المساءلة أو تُخسر. وفي اجتماعات مثل “السبعة الكبار”، و”قمة الديمقراطية” الأميركية المقترحة، يجب تحديد استراتيجية وتكتيكات هذه المعركة.

*David Miliband: هو الرئيس والمدير التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية، ووزير خارجية السابق للمملكة المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why the Age of Impunity endangers us all
هوامش المترجم:
(1) بيلينغكات Bellingcat، هو موقع إلكتروني للصحافة الاستقصائية مقره في هولندا. وهو متخصص في تدقيق الحقائق والاستخبارات مفتوحة المصدر، أسسه الصحفي البريطاني والمدون السابق إليوت هيغينز في تموز (يوليو) 2014. ينشر الموقع نتائج تحقيقات الصحفيين المحترفين والمواطنين في مناطق الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان وعالم الإجرام السفلي. ويقوم المساهمون في الموقع أيضًا بنشر أدلة إرشادية لتقنياتهم، إضافة إلى دراسات حالة. بدأ بيلينغكات كتحقيق في استخدام الأسلحة في الحرب الأهلية السورية. ثم أدت تقاريره عن الحرب في دونباس (بما في ذلك إسقاط رحلة الخطوط الجوية الماليزية رقم 17)، والغارة على إل جونكيتو، والحرب الأهلية اليمنية، وتسميم سكريبال وقتل المدنيين على يد الجيش الكاميروني، إلى جذب الانتباه الدولي إليه.
(2) قانون ماغنيتسكي هو مشروع قانون قدمه الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، في الكونغرس الأميركي وصادقَ عليه الرئيس باراك أوباما في كانون الأول (ديسمبر) 2012. وينص القانون على مُعاقبة الشخصيات الروسية المسؤولة عن وفاة محاسب الضرائب سيرغي ماغنيتسكي في سجنه في موسكو في العام 2009. ومنذ 2016 أصبح القانون مفعلاً على مستوى كل دول العالم، وهو يخول الحكومة الأميركية بفرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم من خلال تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة، وقد تمتد العقوبات لتشمل أموراً أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock