أفكار ومواقف

لماذا يفشل الإصلاح ولماذا ينجح الفساد؟

مفترضا النية الحسنة والإرادة لدى الحكومات والقيادات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجماعات والأحزاب والنقابات والبلديات والحراكات والهاشتاقات تظل حقيقة ماثلة متبوعة بسؤال لماذا يفشل الإصلاح وينجح الفساد ويتمأسس ويتمكن؟ سنغافورة بدأت من العدم منتصف الستينيات أنجزت مستوى متقدماً على مستوى العالم في المعيشة والدخل والتعليم، وتشيلي عاشت حالة من الاستبداد والفشل خرجت منها ومضت منذ 1990 في تقدم اقتصادي وديموقراطي جعلها في مصاف الدول المتقدمة، وإسبانيا مرت بتجربة ديكتاتورية صعبة استمرت إلى منتصف السبعينيات وخرجت منها باقتدار، وكوريا الجنوبية كانت بعد الحرب العالمية الثانية في حالة أسوأ من معظم الدول العربية وظلت حتى نهاية السبعينيات تعاني من الديكتاتورية. كيف فشلت المشروعات والمبادرات الإصلاحية لدينا؟ كيف انتكست الإنجازات التي تحققت؟ وفي المقابل كيف نجحت دول كانت تمر بظروف مشابهة؟
ليس سؤالا جديدا بالطبع، ولا يمنع تكراره وملله وقسوته أن نواصل طرحه، والحال أننا لا نملك خيارا سوى أن نظل نسأل أنفسنا هذا السؤال.
يبدو انها ليست محظوظة لدينا قضايا الحريات والكرامة والعدالة والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والضرائب والماء والطاقة والبيئة والغذاء والدواء لتحظى بالاهتمام او لتكون مصدرا للإلهام ومحركا للناس في العمل والتأييد والمعارضة، ولذلك ضعفت قيم الحرية والعدالة والكرامة كمحرك وحافز للتجمع والمعارضة والتأييد، وفي المقابل صعدت بقوة وتأثير نافذ القضايا المعزولة عن الإصلاح والتنمية والروابط القرابية والدينية في العمل والتأثير. وسقطت مبادرات الإصلاح في شراك العزلة الاجتماعية، ولم تتحول إلى قيم اجتماعية أو مصالح للمجتمعات والطبقات تتمسك بها وتدافع عنها. وبطبيعة الحال فإن الأسواق والمبادرات الاقتصادية السياسية والتنموية سقطت في شراك الانحياز والاحتكار، لم يستفد منها سوى أقلية من المواطنين. المنح الدولية والمبادرات والميزانيات والمشروعات الحكومية والاقتصادية تزيد الأغنياء قوة وغنى وتزيد المجتمعات والفقراء ومتوسطي الحال ضعفا وفقرا!!
وفقدت المجتمعات والمدن استقلاليتها وقدرتها على المشاركة والولاية على أولوياتها، وفي ذلك تعطلت القيم والدوافع المحركة للإبداع والمشاركة الاقتصادية، فقدت المنظمات والقيادات الاجتماعية القدرة على إلهام الأفراد وحشد الفاعلية الروحية والاجتماعية لدى المواطنين والجماهير والجماعات. لقد تحولت المجتمعات إلى زبائن ومستهلكين أو تابعين للسلطة والشركات، وفي هذا الاستتباع المقصود الذي أنشأته الدولة الحديثة للمجتمعات؛ ورغم الوفرة في التكنولوجيات المستوردة وتوسع استخدامها فإنها لم تتحول إلى موارد جديدة، ولم تقلل التكاليف أو تحسن أداء المؤسسات والأعمال، وظلت طارئة لم تنعكس بكفاءة في تحسين الحياة والإنتاج، ولم تنشئ الأسواق والأعمال متوالية من المدن والمهن والحرف أو تضيف إلى الاقتصاد والإنتاج أو تقدم إلى نفسها وإلى العالم منتجات ومشاركات جديدة. ولم تسلك التنمية المفترضة وجهة إنتاجية تحسن مستوى المعيشة، وظلت الأعمال والمهن والأسواق تعاني من ضعف الكفاءة وغياب الثقة.
وفي السياسات الاقتصادية والتنموية لم تشغل الحكومات والمبادرات بتطوير الناتج المحلي على النحو الذي يعيد توزيع الموارد بعدالة على المواطنين ويحسن حياتهم، ولم تكن الجامعات والأسواق والتقنيات والسلع المتقدمة مصدراً للمشاركة الاقتصادية والسياسية كما حدث في التجارب والنماذج الناجحة.
وللحديث صلة يجب العودة إليها، ولكني في ختام المقالة أشير إلى أني أستخدم كلمة “الإصلاح” هنا للتعبير عن الجهود الإصلاحية التي تقوم بها السلطات التنفيذية والتشريعية والحراك الإصلاحي المجتمعي سواء كان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا مطلبيا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock