أفكار ومواقف

لماذا يقتلون مي؟

مي زيادة أديبة لبنانية ولدت في الناصرة، وعاشت في مصر في أيام كانت تتسابق البلاد العربية فيها على النور والتنوير، وتستقبل أبناء الوطن العربي فاتحةً الذراعين بعيداً عن قوانين الاستثمار والعمالة الأجنبية.
مي أسست منتدى الثلاثاء كمنتدى أدبي ذاع صيته في مصر والعالم العربي، وحضره أمير الشعراء والمفكر المصلح محمد عبده، والقانوني المفكر علي عبد الرازق، وقد جمعها مع جبران خليل جبران قصة حبٍ للعقل والقلب معاً، مع أنها لم تلتقه يوماً وماتت بعده كمداً عليه، ولكن المفزع أن كل هذا الإرث الحضاري والإنساني للأديبة مي زيادة لم يمنع الطامعين من عائلتها من إدخالها مصحاً عقلياً والحَجْر عليها طمعاً في إرثها.
قصة مي زيادة ليست فريدة أبداً، وهي منتشرة في جميع أنحاء الوطن العربي والغريب في الأمر أن هذا الفضاء العربي سواء التنويري منه أو المحافظ يجتمع على هضم حقوق المرأة المادية والمعنوية، بشكل أو بآخر، الأمر الذي يدعوني للقول: إن كل دعوات تحرير المرأة أو تقييدها لم تخرج عن حقيقة أساسية قوامها أن الذهن العربي لم يعترف بعد بالمرأة باعتبارها شخصاً مستقلاً، وأن أساس دعوات التحرير والتقيد في مجمله يقوم فقط على جسدها دون الاعتراف بها كذات مستقلةٍ بأهليةٍ كاملةٍ على عقلها وجسدها وذاتها، فهي “مادةُ” لمشروع المتحررين أو المحافظين، ولكنها في عمق تفكير كليهما ما تزال ذاتاً مملوكةً معنوياً أو مادياً، وبشعاراتٍ مختلفةٍ تتوزع بين دعوات الانطلاق والانعتاق أو الأخلاق والعادات والتقاليد.
الغريب في الأمر أننا ندعي تقديس الأم مثلاً، ثم نحاول قدر الإمكان سلبها ميراثها، كما ونعتز بالأخت ثم نحاول مباشرة أو بشكل غير مباشر أن نحرمها هي الأخرى ميراثها لئلا تنقله للأغراب؛ وهم زوجها وأولادها، وفي الحديث عن الأمومة فقد اقتربت من اعتبارها مؤامرة على المرأة، فمن فضاء المحاكم والحياة العامة أعرف وتعرفون كم من امرأة ترضى بابتزاز واضطهاد “ابن الناس” وهو يستغل أمومتها وتعلقها بأولادها للخيار بين قبول الحياة المريرة في بيته، أو أن تعاني الأمرّين وهي مطلقة منه، تتمسك بحضانة أولادها وذل تحصيل نفقتهم، وهي تقرش الصوان يوميا، في صراعها من أجل الحفاظ عليهم وآخر الأمر هم أولاده وينسبون إليه.
تريد أن تبني أسرة وتشارك المرأة في العمل وأنت لا توفر لها مواصلات عامة آمنة محترمة للوصول إليه، ولا مكانا آمنا لاحتضان صغارها عند تواجدها فيه، وبذلك فأنت تدفعها دفعا لترك وظيفتها، رغم أن بيتها محتاج إلى مساهمتها الاقتصادية، وهي محتاجة للعمل كوسيلة لازدهارها الذاتي ولتقدمها الإنساني.
وإن تركنا الأمومة جانباً، فانظر ماذا يحصل من تحرش في النساء في بيئات العمل – المحجبات وغير المحجبات – ، وانظر كيف أن معظمهن كاظماتٍ للغيظ عن هذا التحرش إما لحاجة الراتب اللعين أو خوفاً من الفضيحة والعار أو على الأقل سوء الظن. أين شرف الفروسية الذي ملأنا به القصائد والروايات؟ وأين ذاك الشهم فينا؟ طبعاً برجولته وليس لكونه ذكراً، أعتقد أن المجتمع والرجل في حروبهما مع النساء مرعوبون من فكرة أن تستقل عنهما اقتصادياً وإنسانياً وعاطفياً، فهم يخشون من أي سيدة تعلن استقلالها بقرارها على عقلها وروحها وجسدها ومالها، ونخاف اللواتي يعرفن أنهن الوحيدات المؤهلات للتحكم في حياتهن ومستقبلهن دون وصي، خاصة إن كان هذا الوصي نفسه مرعوبا مرتجفا غير قادر على أن يفهم أو يصدق أن النساء ليست فقط بأجسادها وليست دون أجسادها.
قتل ثلاث نساء خلال يومين قد يكون مصادفةً عابرةً، لكنه استعراض حقيقي للأزمة الثقافية الإنسانية الحقوقية التي تعيشها المرأة في الأردن وفي العالم العربي، وربما في العالم أجمع. مي زيادة لم تكن أول الضحايا وليست آخرهن، ولعل المطلوب ليس تمكين المرأة وتحريرها وحسب، بل تحرير الرجل والمجتمع من دونيته ومن رعبه الدفين من المرأة الإنسان. فاهم علي جنابك؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock