أفكار ومواقف

لندن.. التحدي يختلف!

أسس البارون الفرنسي بيير دي كوبيرتان، الرياضة الأولمبية لتكون أداة الرُقي بالإنسان إلى ما هو فوق مستوى الفوز وحسابات الإنجاز البدني، كتب في المذكرات التي تركها للفرنسيين وعامة الرياضيين في أرجاء الدنيا، أن أقصى تحدٍ يمكن أن يواجه الألعاب الأولمبية أن تصيبها السياسة بداء التأجيل أو التلكؤ أو التوقف، لكنه قال بالحرف الواحد (ستصل الدنيا بعد حين الى القناعة، بأن أي عطب يصيب محرك هذه الألعاب يعني اختلالاً كبيراً في النظم الحياتية التي تمسك بخيوط العلاقة بين الأمم).
وخلال كل أربع سنوات تفصل بين دورة وأخرى، كان العالم يضطر الى تمثـّل هذه الكلمات واستحضارها، فمع مرور الزمن، واتساع رقعة الألعاب، وتطور آلياتها، وتساقط أرقامها، كانت السياسة تطل برأسها، من بعيد أو على استحياء طوراً، وعلى نحو سافر في الكثير من المنعطفات الزمنية، حتى بات من المهم لدينا أن نتذكر كلمات كوبيرتان الذي قرأ المشهد قبل ما يزيد كثيراً على قرن، ففي البدء كانت هنالك لغة من الانسجام والتناغم حين انطلقت الدورات في أثينا، كان الهم مصورا في التمويل والتنقل، لكن الحروب وما تبعها من محاور عسكرية وتخندقات سياسية، صارت الخطر الذي يتهدد مصائر الكثير من الرياضيين الأبطال والهواة على حد سواء خلال فترات التحضير لأي دورة.
وما يسبق دورة لندن لا يخرج عن الإطار هذا، فلعلنا نتذكر تلك الأحداث الجسام التي سبقت أو رافقت الدورات الأولمبية، والتي توجت بأسلحة المقاطعة يوم كان المعسكران الاشتراكي والرأسمالي يقتسمان رغيف المشاركة، ولم تكن ثمة قوة أخرى مؤثرة يمكن أن تدخل شريكة بين الطرفين وخصوصاً خلال العقدين السبعيني والثمانيني، وقد تجلى ذلك في أحداث ميونيخ 1972، ومونتريال 1976، وموسكو 1980، ولوس أنجلس 1984، وسول 1988 بل، وحتى في برشلونة 1992.
لكن الموجة الاقتصادية السائدة في العالم منذ سنوات وبكل تبعاتها التي ستحاصر الدورة المقبلة، تواجَه الآن بموجة بشرية جارفة للوصول إلى درجة الأداء الأفضل، إذ لا يجد البريطانيون بأسا في الاعتراف بما يتركه الغليان الاقتصادي على اتجاهات الدورة، لكنهم يرون ما هو أبعد من ذلك، إنهم ينظرون إلى تحديات الطبيعة ومشاكلها خطراً حقيقياً سيصرف الكثيرين عن التفكير في هذا الغلاء الفاحش المستشري في جسد المعمورة.
وهكذا تدخل دورة لندن في رهانين بدلاً من واحد، الاقتصاد والإنجاز، وهو ما يعيدنا بالضرورة الى حديث البارون الفرنسي مؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة عن أشكال مختلفة للتحدي، منها ما هو عسكري، وأغلبها ما يتصل بالسياسة، وبعضها ما يقع تحت وطأة الطبيعة.
لكن الرياضة تثبت في كل مرة أنها التحدي الإنساني المتعاظم بعينه، فلقد مرّت الألعاب الأولمبية من قبل في ظروف أثقل وطأة، وكانت السفينة الأولمبية تمخر العباب بنجاح، وستخرج المعمورة من التحدي الجديد المزدوج كما أريد لها في يوم التأسيس، ظافرة، وليس ثمة خيار آخر غير النجاح، بعد أن أثبتت الرياضة أنها الوجه المضيء للحياة التي لن تستمر من دون أن يكون للرياضة بمعانيها العميقة هذا الدور الإنساني المشرق.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock