أفكار ومواقف

لنكن حجر عثرة

أمام حشد كبير من السفراء في بلير هاوس (قصر الضيافة الرئاسي المقابل للبيت الأبيض) تحدث جاريد كوشنير عن صفقة القرن مطالبا الجميع التحلي بذهن مفتوح لأن صفقة القرن لا تحتوي فقط على مكون اقتصادي وإنما آخر سياسي على أن يكون هناك ضمان لأمن إسرائيل. هناك فهم في واشنطن مفاده أن الجزرة الاقتصادية يمكن لها أن تدفع الأردنيين والفلسطينيين على التحلي بذهنية مفتوحة تسمح لهم بتقديم التنازلات المطلوبة إسرائيليا.
نعرف جيدا بالأردن ما هو شكل التنازلات المطلوبة سياسيا، فعلى الرغم من أن الأردن الرسمي ينفي علمه بتفاصيل الخطة إلا أن خطوطها واضحة للقاصي والداني وأهمها هو شطب حق العودة وتوطين اللاجئين والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل وضم الكتل الاستيطانية وتبادل أراض من ضمنها تنازل الأردن عن أراض أردنية مقابل الحصول على أراض سعودية. بالمقابل، يتم تقديم مساعدات اقتصادية كبيرة للأردن لا نعرف بالضبط حجمها لكنها ستكون كافية لإخراجه من أزماته الاقتصادية لعقد من الزمان.
انزعاج الملك عبدالله من الخطة ومن الغموض الذي يكتنف الموقف الأميركي الذي يضبط تحركاته على دقات ساعة نتنياهو لم يعد سرا، فهناك الكثير من التصريحات والتقارير التي تفيد أن الملك عبدالله بدأ يشعر بأن بلاده لا تملك عمقا عربيا بعد أن تبدلت مصادر التهديد لعدد من الدول العربية الرئيسية. وما تلميحاته عن الضغوط التي تمارس على المملكة إلا رأس قمة جبل الجليد، فهناك تفاهمات لعدد من الدول العربية المؤثرة وإسرائيل على إعادة رسم المشهد الإقليمي بحيث تصبح فيه إسرائيل دولة طبيعية دون أن يترتب على ذلك استجابة إسرائيلية لمنطق حل الدولتين.
ويبقى السؤال فيما إذا كان بوسع الولايات المتحدة إملاء أي حل على الأردن، فواشنطن تقدم مساعدات اقتصادية كبيرة للأردن ربما لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، وهناك عدد من النخب الأردنية المنبطحة للمنطق الأميركي تبث اليأس في قلوب الأردنيين وهنا اتحدث بالتحديد عن نخب شكلت لوبيات لصالح عواصم مؤثرة. كنت دائما اسأل لماذا لا يكون هناك محاسبة لهذا النوع من النخب؟!
تشرفت بلقاء جلالة الملك مرتين في الفترة الأخيرة وتحدث في المرتين بشكل واضح وحاسم بأن الأردن ليس للبيع، وأن الأردن متمسك بحل وحيد وهو حل الدولتين وأنه لن يقبل أي حل يمس بمصالح الأردن. وبالفعل حاولت بعض الأيادي الخفية بث الإشاعات في الأردن حول جدية الموقف الأردني وجاءت لاءات الملك الثلاث في اجتماع الزرقاء لتعلن أن الأردن سيكون حجر العثرة لصفقة القرن وأن الأردن لن يكون وطنا بديلا لأحد.
من المنتظر الإعلان عن صفقة القرن بعد أن يشكل نتنياهو حكومته، وهي خطة وحتى لو تم الإعلان عنها إلا أنها ليست قدرا، فبإمكان الجانب العربي أن يرفض الجانب السياسي منها ويرفض تمويل الصفقة! ولا أبالغ عندما أقول بأن الخطة بعد أن يتم إعلانها ستطوى جانبا وتوضع على الرف لتضاف إلى رزمة من المبادرات التي واجهت نفس المصير. وبتقديري أن الأردن الرسمي يحضر جيدا لقول لا للصفقة، فتحركات الملك الأخيرة ومن ضمنها لقاء كتلة الإصلاح الإسلامية تأتي في سياق اعداد الداخل الأردني للوقوف صفا واحدا أمام التغول الإسرائيلي المدعوم أميركيا.
بتقديري يمكن للأردن ان يكون حجر عثرة أمام كل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وهو بذلك ينال تقدير ليس الشارع الأردني فقط وإنما الشارع العربي الذي لا يمكن له أن يقبل بالإجهاز على قضية العرب الأولى بالرغم من محاولات فاشلة لاستبدال العدو يقودها مراهقون.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock