تحليل إقتصادي

لنكن منتجين.. الخبرة تتقدم

الدكتور نضال محمود المجالي

عمان-نعيش هذه الأيام أجواء مختلفة في مفهوم الحصول على فرصة عمل وقد بات الكثير من ابنائنا ممن عادوا من الخليج أو دول أخرى ضمن طوابير طويلة في صفوف الباحثين عن فرصة لاستمرار الحياة وتلبية متطلبات العيش، في وقت قد نلحظ فيه ارتفاعا في معدلات البطالة والتي وصلت إلى 19.3 % في الربع الأول من هذا العام مقارنة بـ 18.6 % نهاية 2019 وبارتفاع 0.3 % إذا ما قارنا النسبة بذات الفترة من الربع الأول من العام 2019.
بين ارتفاع وهبوط وبين حقائق ومؤشرات أولية ستعيش الدول المصدرة للكفاءات ازديادا في اعداد البطالة لديها نتيجة العودة القصرية من تداعيات جائحة كورونا لتتضاعف أرقام الباحثين عن العمل في وقت قد تتوازن فيه تلك المؤشرات في دول غادرها الكثير من العمالة ولكن القضية الأبرز ان في كليهما قد نترقب حالة من فوضى ضعف الإنجاز وهشاشة الأداء فمن عاد فقد مهارة التعايش في بيئة العمل المحلية ومن غادر بلدا فقد أحدث شاغرا في مهارة كانت مفقودة في تلك البلد.
ومن هنا كان القرار الأبرز عالميا وان غاب الحديث فيه محليا أو في العالم العربي اجمع، فقد وقع الرئيس الأميركي منذ أيام قرارا تنفيذيا مهما، مر مرور الكرام، وجه فيه فروع الحكومة الأميركية للتركيز على المهارات بدلا من الشهادات في التعيين. قرار يعيد لاذهاننا الرؤية الملكية السباقة والتي تشعرنا وكأن هناك استشراقا وتخوفا ملكيا في المستقبل القريب انذاك في شكل ومضمون العامل الجديد وفرصة العمل حين وجه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الحكومة قبل خمس سنوات برسالة في آذار 2015، إلى رئيس الوزراء آنذاك، عبدالله النسور، طلب فيها إعداد استراتيجية وطنية تنبثق عنها خطة لـ 10 أعوام تُعنى بتطوير قطاعات التعليم الأساسي والتعليم العالي والتعليم التقني والتدريب المهني، ذكر الملك فيها أن الحاجة أصبحت ملحة لتطوير استراتيجية شاملة لتنمية الموارد البشرية، تؤطر عمل القطاعات المعنية بالتعليم، وتنسجم مع مخرجات الرؤية الاقتصادية، والخطة التنفيذية للاستراتيجية الوطنية للتشغيل، والبناء على جهود ودراسات سابقة.
لنتساءل اليوم وبعد خمس سنوات هل اللجنة المشكلة للغاية تلك تحتاج ان تتابع التغيرات المرحلية وتعيد ما صاغته ان قامت بذلك اصلا! ام تترقب إجراءات ابنة الرئيس إيفانكا ترمب التي حملت على عاتقها مهمة تطوير القوى العاملة، لتؤكد في مقابلة بثتها وكالة أسوشييتد برس الأميركية قائلة : “نحن نعمل على تحديث التوظيف الفيدرالي، للحصول على مرشحين يتمتعون بالكفاءات والمعرفة اللازمة، بدلا من مجرد التوظيف بناء على الشهادة”.
نعم؛ نحن نحتاج إعادة القراءة والبحث أو على الأقل التركيز فيما تلقيناه من رسائل ملكية سابقة كانت أسرع في رسم ملامح المستقبل من كورونا أو قرار الرئيس الأميركي، فانا أرى ان ما ذهب اليه الرئيسان الملك الأردني قبل خمس سنوات والرئيس الأميركي قبل أيام هو اطار عمل مرحلة جديدة في توجيه اللجان التوظيفية لوضع شروط الاختيار أو بناء جيل يحقق تلك الشروط للنجاح والخروج من معضلة الكفاءة قبل الشهادة.
وهذا لا يعني إلغاء شروط الحصول على الدرجة الجامعية للحصول على وظيفية، لكن يأتي في محاولة لإعطاء الأولوية للمهارات الوظيفة، بحيث تصبح الدرجة العلمية ذات أهمية أقل من المهارة.
مشكلتنا في الأردن أننا ما زلنا نعظم الشهادة على حساب المهارة والموهبة وخصوصا شهادة ” الخواجا” وحالنا حال فنان عالمي يحمل شهادة جامعية لن يجني منها مالا إذا تفرغ لعمل حكومي متناسيا مهارته وكفاءته في رسم لوحة تباع بآلاف الدنانير لينتظر زيادة سنوية لا تتجاوز 5 بالمائة في الغالب، واستذكر هنا أحد زملائي المبدعين ممن تجاوز الشهادة الجامعية للتفكير والإبداع ابان عملي التربوي حين قبض زيادته السنوية والتي تعادل دينارين وقتها قائلا: ” استطيع الآن أن اتزوج”! لتكون الزيادة “إهانة لموهبته” التعليمية.
وهنا كي أكون كما تعودت أقدم حلولا لا أقرأ أرقاما ومواقف فقط اقول: انه يمكن للمنظمات والمؤسسات والشركات تجاوز ذلك بتحديد نسبة تعيين سنوية بناء على المهارة والموهبة “تسبق الشهادة” بشروط محددة تخضع مثلا لموافقة لجنة متخصصة “لتقليل المحسوبية أو المحاباة”. ولم لا تصبح حكومتنا الأردنية القادمة مثالاً يحتذى؟ فالولايات المتحدة، التي تعد أكبر مُوظف للقوى العاملة (نحو مليوني موظف مدني) قد أقدمت على قرار تقدير الكفاءة، وهي ذاتها أميركا التي تحتضن أقوى جامعات في العالم ولا يحمل ثلثا الأميركيين شهادة جامعية فيها. ورغم ذلك أيضا تحاول الحكومة استقطاب الأكفأ من ناحية المهارة قبل الشهادة.
أما نحن فلا بد أيضا أن نعيد النظر في سلم الرواتب في مختلف القطاعات. فمن غير المعقول أن ننشد مجتمعات صناعية ومتقدمة في حين نمنح الفني الموهوب راتبا أقل من الجامعي. فما زال حملة الدبلوم التطبيقي – خريجي كليات المجتمع – يتقاضون رواتب هزيلة وكأنها إشارة إلى أنهم ليسوا مرغوبا فيهم. وهو أمر مختلف في دول أوروبا عموما والتي تقدر المهارات التطبيقية بشدة، حتى صارت تصدر لنا أقوى المعدات، والمكائن، والمنتجات العالمية، لأنها أمة تحترم المهارة والموهبة. وربما هذه أحد أسباب هجرة العقول للغرب، وسر تدافع الناس نحو التقاعد المبكر هو الهروب من جحيم عدم التقدير. وبعد ذلك كله لن نستغرب محاولة نيل الناس لشهادة بأي ثمن.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock