أفكار ومواقف

لننقذ الأرض أو نهلك جميعا

خالد دلال

الأقوال إن لم تتبعها الأفعال هي في عداد الأموات لا حول لهم ولا قوة، وهذا بالضبط ما على البشرية إدراكه في سعيها للحد من تفاقم كارثة التغير المناخي، والتي إن لم ندفع ثمنها الباهظ في زماننا هذا، فإن الأجيال المقبلة ستكون في مجابهة تغيرات مناخية على الأرض وأحوالها، قد “لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ”.

الأمر فعلا مسألة وقت، ولم يعد مجرد ترف فكري يتحاور حوله الأفراد أو حتى الخبراء على مستوى الدول، بل هو قضية عالمية يجدر أن تؤرق كل نفس على كوكبنا الأزرق، وهي القضية التي يجب أن تسخر العقول والإمكانات لمواجهتها بحزم بعيدا عن التنظير الإعلامي الذي لا طائل منه، والأدهى عدم التزام الدول بتعهداتها.

ولبيان فداحة الأمر، لننظر إلى ما يحدث على الأرض من جنون للطبيعة في وجه الإنسان من فيضانات غير مسبوقة، وموجات حر حادة وخانقة، وحرائق غابات يصعب السيطرة عليها، وذوبان للجليد يهدد بشطب دول عن الخريطة، وغير ذلك من ظروف قاسية، لا يلام في سببها إلا الإنسان وجشعه لاستغلال موارد الأرض بطريقة لا ترحم الأخضر ولا حتى اليابس.

وها هي الأرض تنتقم! انظروا إلى ما يحدث في الولايات المتحدة مثلا منذ أسابيع قليلة، وتحديدا في ولايات إنديانا وكنتاكي وأوهايو، التي قد تصل درجات الحرارة فيها إلى “43 درجة مئوية خلال الفترة المقبلة”، حسب ما يتوقع الخبراء.

ولبيان تداعيات ذلك، لنتمعن في قول الخبير في الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية، أليكس لامرس: “في كثير من الحالات، إذا كان هناك موجة حر قوية، فستحصل حولها عواصف رعدية وأعاصير وفيضانات مفاجئة وأمطار غزيرة”.

وهذا بالطبع إضافة إلى ما يحدث في “ولايتي كاليفورنيا وأريزونا حيث تزيد درجات الحرارة والجفاف المزمن من مخاطر الحرائق”. خذ أيضا ما تشهده “ولاية نيومكسيكو ومعظم جنوب غرب الولايات المتحدة من جفاف تاريخي واندلاع عشرات الحرائق هناك”، وذلك بحسب وسائل إعلام.

مرد كل ذلك طبعا إلى ظاهرة الاحتباس الحراري المتفاقمة، والمتهم في تأزمها الدول الصناعية الكبرى، وتحديدا الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي وإندونيسيا وروسيا. إلا أن من يدفع الثمن، وقد يكون قريبا جدا، هي الدول الصغيرة، وفي مقدمتها جزر المالديف مثلا، التي قد تكون مسألة وقت لها حتى تختفي عن المعمورة.

هذا على مستوى الدول، لكن هناك أيضا خطر محدق قد يواجه بعض ما نستهلكه من أطعمة، بفعل التغير المناخي، والمهددة بالانقراض بين أعوام 2050 و2100، ومنها الكاكاو والموز والأرز والبن والبطاطا، بحسب مجلة غرين كوين، ما يهدد فعلا بحدوث مجاعات على مستوى العالم، خصوصا أن بعض هذه الأطعمة، ومنها الأرز والبطاطا، هي من العناصر الأساسية في سلة الغذاء العالمي.

أما إذا تحدثنا عن الحيوانات والنباتات، فعلينا التمعن بتقرير صدر قبل أشهر من قبل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، والتابعة للأمم المتحدة، الذي حذر “بأن نحو مليون صنف من النباتات والحيوانات مهدد بالانقراض بفعل التغيّر المناخي”. تصوروا!

كل ما تقدم يقودنا إلى حقيقة واحدة: إما أن نتعايش مع الطبيعة لتتعايش معنا، وإما أنها ستنتقم بشراسة لا قبل للبشرية، بكل ما أوتيت من قوة، على مجابهتها.

ولنا في قول الخبير البريطاني والمؤرّخ المتخصّص بالطبيعة، السير ديفيد أتينبورو، العبرة: “إذا اعتنينا بالطبيعة، فإنها ستعتني بنا”.

ولعل الخطوة الأولى لذلك تبدأ بالإيمان قولا وعملا أننا جميعا نعيش على كوكب واحد وأن مسؤوليتنا جميعا إنقاذه. فلا يوجد في المنظور القريب كوكب آخر نرحل إليه! فهل من متدبر أم أن البشرية تقود نفسها نحو الهلاك بطيش؟

المقال السابق للكاتب 

رؤية التحديث الاقتصادي: شمولية الطرح ووضوح الغاية

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock