ترجمات

لن يكون هناك سلام من دون مصالحة

ألون بن مئير* – (ميدل إيست أونلاين) 22/5/2021

لا ينبغي لأحد أن يتوهم أنه بمجرد إقرار وقف إطلاق النار ينبغي أو يمكن لإسرائيل والفلسطينيين التفاوض على اتفاقية سلام. فبالنظر إلى الكراهية العميقة وانعدام الثقة المستمر منذ عقود، يجب أن تسبق المفاوضات لتحقيق سلام دائم عملية مصالحة.

  • * *
    تصحيح الخطأ
    منذ أن تمّ الاتفاق على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين، هناك من يدافع عن وجوب أن تبدأ مفاوضات السلام بين الجانبين على الفور لمنع اندلاع حريق في المستقبل وإنهاء الصراع المدمر المستمر منذ سبعة عقود. وبالنسبة لي، ليس هناك ما يمكن أن أعترض عليه أكثر من هذا. ففي حين أن اتفاق السلام القائم على حل الدولتين يجب أن يكون هو النتيجة في نهاية المطاف، لا يمكن التوصل إلى اتفاق ما لم تسبقه عملية مصالحة لمدة خمس سنوات على الأقل للتخفيف من الكراهية الراسخة وانعدام الثقة بين الطرفين. وقد تتألف مثل هذه العملية من إجراءات متعددة تعمل في وقت واحد على مستويات حكومة إلى حكومة وشعب إلى شعب، والتي يمكن أن تسرع وتعزز تنفيذ عملية المصالحة.
    هناك شروط مسبقة عدة يجب على إسرائيل أن توافق عليها للسماح للمصالحة بالمضي قدمًا من دون عوائق، وتشمل هذه الشروط: عدم ضم شبر واحد إضافي من الأرض الفلسطينية، وعدم توسيع المستوطنات خارج حدودها المحددة، والحفاظ على الوضع الراهن للقدس.
    إجراءات المصالحة من حكومة لحكومة
    وقف الرواية العامة اللاذعة لكلّ طرف ضدّ الآخر: يجب على القادة الإسرائيليين والفلسطينيين وقف رواياتهم العامة اللاذعة ضد بعضهم بعضا. وفي الواقع، بدلاً من إعداد الجمهور لحتمية السلام والانخراط في حوار عام بنّاء، قام الطرفان حتى الآن بتسميم المناخ السياسي وتحريض كلّ طرف على الآخر وخلق تصور بأن السلام هو وهم، وأن الاختلافات بينهما لا يمكن التوفيق بينها، ببساطة.
    إقامة علاقة اقتصادية: يجب على الإسرائيليين والفلسطينيين تطوير علاقة اقتصادية قوية. وعلاوة على التجارة، يجب تشجيع المستثمرين الإسرائيليين على الإستثمار في الدولة الفلسطينية المستقبلية، حيث ستعزز المبادلات الاقتصادية والاستثمار والتنمية علاقة وثيقة للغاية بين الجانبين.
    تعديل الكتب المدرسية: يجب على إسرائيل والفلسطينيين تعديل كتبهم المدرسية لتعكس بشكل موضوعي رواية تاريخية أكثر دقة وأقل تحيزًا في جميع مستويات مؤسساتهم التعليمية. ويجب على كلا الجانبين الكفّ عن نشر الروايات التاريخية غير الدقيقة في كتبهم المدرسية وتعزيز ذلك من خلال خطابهم العام.
    عدم اتخاذ أي إجراء استفزازي: يجب على الفلسطينيين عدم اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لاتهام إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ويجب عليهم منع أي هجوم إرهابي ضد أهداف إسرائيلية. ومن ناحية أخرى، يجب على إسرائيل ألاّ تقيد حركة الفلسطينيين بشكل لا مبرر له، ويجب أن توقف ممارسة المداهمات الليلية وأن تنهي هدم و/ أو إجلاء الفلسطينيين من مساكنهم في أي مكان، وخاصة في القدس الشرقية.
    الحفاظ على التعاون الأمني: لا ينبغي على إسرائيل والفلسطينيين الاستمرار في التعاون في جميع المسائل الأمنية فحسب، بل ينبغي تعزيز التعاون في المستقبل. وسيكون من شأن تخفيف المخاوف بشأن الأمن آثار نفسية وعملية، خاصة وأن كلا الجانبين يتجه نحو محادثات سلام جوهرية.
    إجراءات بين الشعبين على أرض الواقع: مع اتخاذ التدابير المذكورة أعلاه، يصبح التفاعل بين الشعبين عملية طبيعية تتم في جو يتحسن باستمرار. ويتم اتباع التدابير الآتية في الوقت الحاضر على نطاق ضيق وينبغي توسيع نطاقها بشكل كبير:
  1. الزيارات المتبادلة: يجب أن تتفق إسرائيل والسلطة الفلسطينية على السماح بالزيارات المتبادلة. ومن الصعب التقليل من أهمية مثل هذه الزيارات عندما يلتقي الإسرائيليون والفلسطينيون العاديون في أماكن إقامتهم الخاصة لتبادل الخبرات وفهم مظالم ومخاوف بعضهم بعضا، وكثيرًا ما سيكتشفون أن مصالحهم وتطلعاتهم المشتركة أكبر بكثير من اختلافاتهم.
  2. النشاط النسائي: يمكن أن يكون نشاط النساء الإسرائيليات والفلسطينيات جزءًا مهمًا جدًا من عملية المصالحة. يجب على النساء الإسرائيليات والفلسطينيات استخدام قوتهن الهائلة لمطالبة قادتهن بإنهاء الصراع. ويقدم دور المرأة في إنهاء الصراع في أيرلندا الشمالية صورة حية لكيفية تأثير المرأة على مسار الأحداث.
  3. المناسبات الرياضية المشتركة: الرياضة هي أداة مفيدة بشكل لا يصدق في بناء الصداقة بين الجانبين، سواء كان التنافس ضد بعضهما بعضا أو كجزء من فريق مشترك. وتلتقي فرق كرة القدم وكرة السلة والألعاب الرياضية الأخرى بالتناوب في إسرائيل وفلسطين للتدريب والمنافسة، ويمكنهما معًا تشجيع الروح السمحة للعبة، حيث يكون الفوز هو اللعبة نفسها، وليس النتيجة النهائية.
  4. تواصل الطلاب: يجب على الطلاب الفلسطينيين والإسرائيليين التواصل مع بعضهم بعضا والتحدث عن تطلعاتهم وآمالهم في المستقبل. ويجب تلقين الشباب الإسرائيلي والفلسطيني بأن التعايش السلمي هو قدرهم وأن يتم تشجيعهم على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع بعضهم بعضا، لأن المستقبل بين أيديهم.
  5. المعارض الفنية: هناك العشرات من الفنانين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين لم يلتقوا أو يتعمقوا في فهم مشاعر وعقلية بعضهم بعضا ليروا كيف تعكس أعمالهم حياتهم. وينبغي أن تقام المعارض المشتركة في كل من إسرائيل وفلسطين. ويمكن أن تتوسع هذه التبادلات الثقافية لتشمل المهرجانات الموسيقية والعروض المسرحية وأشكال الفن الأخرى.
  6. الخطاب العام: ينبغي على الجامعات ومراكز الفكر والمؤسسات التعليمية الأخرى تنظيم مناقشات مائدة مستديرة حول حتمية التعايش وكيف يمكن للجانبين إزالة الحواجز لجعل التعايش ليس حتمياً فحسب، بل ومرغوب فيه أيضا. ويمكن نشر هذه الجيوب الصغيرة عبر الإنترنت لملايين الأشخاص، بمن فيهم الإسرائيليون والفلسطينيون، على الفور.
  7. منتديات لمناقشة القضايا المتنازع عليها: ينبغي إقامة منتديات مشتركة تتكون من إسرائيليين وفلسطينيين مؤهلين لديهم خبرات أكاديمية وشخصية متنوعة ويتمتعون بالاحترام في مجالهم، وهم مفكرون مستقلون، ولا يشغلون منصبًا رسميًا في حكوماتهم، ولديهم معرفة شاملة من القضايا المتنازع عليها.
  8. دور وسائل الإعلام: بدلاً من التركيز فقط على العنف والتهم اللاذعة والاتهامات المضادة التي تتصدر عناوين الصحف، ينبغي أيضاً تشجيع وسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية على الإبلاغ عن التطورات الإيجابية بين الجانبين لإطلاع الناس على أن العلاقات الثنائية ليست كلها محبطة. وإضافة إلى ذلك، ستجلب برامج تبادل الصحفيين المراسلين إلى الميدان على الجانب الآخر، حيث يمكنهم رؤية الواقع الخالي من الدعاية السياسية والتحيز وإعداد تقارير عنه.
    ينبغي أن يؤدي الصراع المحتدم بين إسرائيل وحماس، الذي يتسبب في دمار هائل وخسائر فادحة في الأرواح، خاصة بين الفلسطينيين، إلى تذكير الجميع بأن هذه الجولة من الأعمال العدائية، مثلها مثل جميع الجولات السابقة، لن تكون الأخيرة. ويجب أن يستعيد الطرفان رشدهما ويدركا أنه يجب عليهما إيجاد طريقة للتعايش السلمي، لأن البديل هو المزيد من الحروب وإراقة الدماء. وسيكون تحقيق اتفاق دائم مستحيلاً بالنظر إلى الأجواء العدائية الحالية والمفعمة بالكراهية وانعدام الثقة، ولذا تصبح عملية المصالحة أولاً أمرا ًمحورياً لتحقيق سلام دائم.
    يجب على الولايات المتحدة، بدعم قوي من الاتحاد الأوروبي والدول العربية، استخدام نفوذها للضغط على كلا الجانبين للالتزام الكامل بمثل هذه العملية وإثبات حرصهما على السعي لتحقيق السلام أو مواجهة عواقب وخيمة. وبغير ذلك، فإن أي محادثات سلام جديدة لن تكون سوى تمرين في العبث.

*صحفي إسرائيلي من أصل عراقي. ولد في بغداد في العام 1937. مختص بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة مفاوضات السلام بين إسرائيل والعالم العربي. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أوكسفورد في بريطانيا. ويعد من داعمي السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ومن خصوم اليمين الإسرائيلي المتطرف. درّس في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية. ويعد من أشد المتحمسين لمبادرة السلام العربية التي طُرحت في العام 2002. يكتب عموداً أسبوعياً في صحيفة “الجروزالم بوست”، كما ينشر مقالاته في “ميديل إيست بوست”، و”نيوساينز مونيتور” و”لوموندو”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock