رأي في حياتنا

لو كان لي ولدْ

لو كان لي ولد، لاعتذرتُ له، كأبٍ لا يخجلُ من الأخطاء التي ينسبها الآباء للقدر، لأنني أنجبته في موعد مشؤوم، تزامَنَ مع الولادة الطبيعيّة للحرب. كنتُ أخطط مع أمّه الريفيّة أنْ ننجبه قبل خمسة أعوامٍ في نهاية “مارس”، كما جدّه الذي كان شجاعاً من برج الحمل، وهو أبي كذلك الذي أنجَبني قبل ثلاثين حرباً عند تماس مع “مدار السرطان”، إثر “انقلاب صيفي” جنوبيّ العراق. لو كان لي ولد، لاعتذرتُ لأنني أنجبته والحرب تبدأ من “برج الأسد”.
لو كان لي ولد، لأخبرته أنني أسقطتُ من عمره حساب السنوات التي تكفي للوفاة الطبيعية. أمه الريفية ظنّت أنّ الحروبَ انتهت بسقوط “بغداد” وانزياح الأرض تحتها إلى “طهران”، وأنّ وراثة الابن الأوسط لـ”الشّام”، وتسجيلها بقصر العدل بيُسْر من دون طلب زائدٍ لحصر الإرث، ورسومٍ باهظة بـ عشرين ليرة أسديّة، وأنّ عليها أنْ تنجِبَ ولداً للخدمة العسكريّة الآمنة، بعدما اقتصرت الحروب على مواسم تشرين التلفزيونية، وأشاعت الأغنيات النصرَ بالأبيض والأسود، وبدا أن “حافظ” سيعود. ولو كان لي ولد لأخبرته بأنّ العدل لا قصر له.
كنتُ سأنجبُ للبلد، ولداً، وولدَيْن، فالحربُ طويلةٌ كمئذنةٍ كُتِبَ لها عمرٌ جديد، وقد تستمرُّ شتاءً وجيلين، والقصفُ أعمى وبلا عصا، والقنّاص يُفاضِلُ بين الإخوة، يختار الذي رأسه عالية وفي عينيه كتابة مُبْهمة. كنتُ سأنجبُ للبلد أولاداً آخرين لملء خيمة العزاء، وحَمْل الخيام، ودفاتر المؤن، والعلم الأخضر، ويحملون عنّي اسمَ الشهيد حين تخذلني يداي. لو كان لي ولدٌ في هذه الحرب الطويلة كمئذنة ناجية، كنت سأنجبُ له أختاً صغرى، تكتُب شعراً منفعلاً، وتكرج في العمر مثل بِشارَة، وتتزوّج ثائراً، وتنجبُ شاعراً، وتستعيدُ لي ثلثَيْن من ولدي.
قِفْ يا ولدي في طابور الصباح الأخير كالألف الرافضة لـ”الهَمْز”، واقرأ من كتاب التاريخ ما يصدقه إدراككَ الصغير، لا بأس بوقت قصير للموسيقى، ولتكن من كلاسيكيات الرحابنة في سؤالهم الذي لا ينتظر إجابة بين “المجد” و”الشام”، تجاهلْ كلّ المعادلات الرياضيّة التي تنتهي بالحسم أنّ البلد لـ”الأسد أو لا أحدْ”، وفي درس الدّين لا تنم، وتذكّر أنّ السماء لم تبح لأحد جزّ عنقكَ، فارفع رأسك عن كلِّ خطوط الطول والعرض في حصّة الجغرافيا، ولا تقرّ أنّ في الرقّة “دولة”، ولا تعترف أنّ في اللاذقية “دويلة”، وقل في العلم الأخضر: “أما فيهِ منْ كُلِّ عينٍ سَوادْ”.
ولو كان لي ولد، لرجوته أنْ يغفرَ لي ما تأخّرتْ هذه الحرب. فلن تعبُرَ يا ولدي البحرَ الأبيض إلى جزيرة “ليسبوس” في قارب منكوب، ستأخذكَ موجة نشطة تحملكَ كزوجة أب إلى الشاطئ، وتعودُ إلى حيث جئتْ، حيث تركتكَ هناك وذهبتُ للصلاةِ عليك. ولن تغفرَ لي أنّني أنجبتكَ بخطأ ساذجٍ في الحساب، كنتُ أريدكَ مثل جدِّكَ، تنتسبان لـ”برج الحمل”، وأمُّكَ الريفيّة الطيّبةُ ظنَت أنّ الحربَ انتهتْ. ستلومني أيُّها النبيهُ، ولن أعرفَ إنْ كان هذا صوتكَ أم صوت جدِّكَ في العتاب: ..وهل انتهتْ حربٌ بدأتْ في الشرق!

لا يجوز دون الحصول على إذن خطي من الناشر استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كلياً أو جزئياً بأي شكل وأي وسيلة تحت طائلة المسائلة القانونية. ويسمح استخدام المواد الإخبارية فقط شريطة ذكر الغد بوصفها المصدر.

تعليق واحد

  1. لو
    لو كان لي ولد لدفنته كما كانوا يفعلون في الجاهلية. عله يأتي يوم وتدير فيه النساء دفة العالم. حتما سيكون أفضل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock