آخر الأخبار حياتناحياتنا

ليست القيود الأمنية فقط.. “مخاوف” عدوى كورونا “تحد” من التجمعات

تغريد السعايدة

عمان- تلك المخاوف التي تسللت لنفوس الناس منذ اجتياح فيروس كورونا تفاصيل الحياة كافة منذ أكثر من عام، استطاعت أن تشكل حاجزا كبيرا مبنيا على “فوبيا” العدوى، وبالتالي “الإحجام” عن اللقاءات والتجمعات في العائلات الممتدة، والأماكن المكتظة.
صعود المنحنى الوبائي، مع موجات متلاحقة للفيروس، وظهور سلالات متحورة جديدة، صاحبها آلاف الإصابات اليومية وعشرات الوفيات، يعكس ازدياد الوضع الصحي صعوبة على المستوى المحلي؛ كل هذه الأسباب جعلت الكثيرين يتراجعون خطوات للوراء، مع اتخاذ إجراءات وقائية تحمي من شدة المرض وخطورته.
ومع دخول شهر رمضان المبارك، ورغم تمديد ساعات الحظر، والإجراءات التي فرضتها الدولة على المواطنين للحد من التجمعات، إلا أن “تجنب” الكثير من العائلات الاختلاط كما كان عليه الحال في أعوام سابقة، كان دافعه الأساسي احترازيا لحماية النفس والآخرين من المرض وتبعاته التي قد تكون “قاتلة”.
وجود حالات إصابة بفيروس “كورونا” بين أفراد العائلة الواحدة، سواء الممتدة أو العائلات الصغيرة، كان أيضا سببا في أن تتجنب تلك الأسر التجمع في شهر رمضان كما في كل عام، وهو ما حدث مع عائلة أبوهاشم الذي أصيب وزوجته بفيروس كورونا، والتزما بالحجر المنزلي مدة تزيد على العشرين يوما ما قبل رمضان واستمر ذلك لغاية هذا الوقت.
الخوف من أن يكون سببا في نقل العدوى للآخرين حتى بعد مضي وقت على الإصابة، هو السبب الرئيسي الذي منع أبوهاشم من التواجد في أي تجمع عائلي مهما كان العدد مقتصرا، ويقول “هناك حالات أصيبت بعدوى الفيروس خلال تواجدها ضمن أعداد قليلة، ولا نعلم من أين يمكن أن يصاب الشخص”، لذا، فإن الوازع الشخصي هو ما يمنع من التجمع بين الحين والآخر، وخاصة خلال هذا الشهر الفضيل.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد حدثت، في آخر منشوراتها عبر حسابها الرسمي على موقع “تويتر”، إرشادات بشأن الممارسات الرمضانية المأمونة في ظل جائحة “كوفيد 19، من أجل المحافظة على روح رمضان وسط تغير العادات الاجتماعية المرتبطة بهذا الشهر؛ حيث ترى أنه من الأفضل أن يتم التواصل مع العائلة والأصدقاء عن طريق الهاتف أو مكالمات الفيديو، بدلا من التجمعات.
وأكدت المنظمة أهمية ارتداء الكمامات، إذا تعذر الحفاظ على التباعد الجسدي بمسافة لا تقل عن متر واحد، أو في الأماكن المغلقة التي تفتقر إلى التهوية الجيدة، كما أوصت بضرورة الالتزام بتدابير التباعد الجسدي أثناء الصلاة والإفطار الجماعي، وغيرها من الفعاليات الاجتماعية أو الدينية.
الاختصاصية النفسية والأسرية الدكتورة خولة السعايدة، ترى أن الإنسان بطبيعته الفطرية يتولد لديه شعور بالخوف على نفسه وعائلته، خصوصا مع استشعار قرب الخطر، وهذا الأمر لا يحتاج إلى من يفرض عليه الأمر، إنما ما يحدث الآن هو تخلي الكثيرين عن عادات اجتماعية وأسرية كانت لفترات طويلة حاضرة، لكن تبدلها يأتي حفاظا على صحة الفرد والمجتمع.
وتعتقد السعايدة أن جائحة “كورونا” جعلت العديد من الأشخاص يعيشون هاجس الخوف على أنفسهم وعائلاتهم من الإصابة بالمرض، وبالتالي اتخاذ إجراءات وقائية للحماية، ويأتي الابتعاد عن التجمعات ليكون نوعا من الحماية للنفس والآخر من خطر العدوى، وتجنبا للشعور بالذنب الذي قد يتولد في حال أصيب أحد الأحباء بالمرض.
ووفق السعايدة، فإنه ومنذ الأزل، يعد التباعد من أنواع الدفاع عن النفس من أي خطر، و”ما نراه من تباعد جسدي واجتماعي يحقق هذا الأمر لحين انتهاء الجائحة”، وذلك لا يحتاج لرقابة من الآخرين أو فرض أوامر، إنما يأتي حينما يستشعر الإنسان خطورة الإصابة وسهولة العدوى، فيبادر لحماية نفسه والآخرين.
اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، يؤكد لـ”الغد” أن ما فرضته جائحة “كورونا” على الأفراد من ضرورات لحمايتهم من خطر العدوى، يعد سببا بحدوث تغييرات في سلوكيات فردية ومجتمعية، لحماية النفس والعائلة من انتقال المرض، وخاصة فيما يتعلق بعدوى الوالدين وكبار السن كونهم الأكثر عرضة لمضاعفات المرض.
وشهر رمضان، اعتادت فيه العائلات التجمع وإقامة الولائم والإفطارات الرمضانية، غير أن الخوف والشعور بقرب العدوى، دفعا الكثيرين إلى تغيير عاداتهم الاجتماعية والالتزام طوعا بالتباعد العائلي “الجسدي”؛ حيث يرى جريبيع أن هذه التغييرات ما هي إلا سلوك جديد يؤثر على ثقافة المجتمع التي انصاعت للتغيرات الوبائية والتي قد لا ينتظر فيها الفرد قيودا أمنية للالتزام بها، وإنما من خلال سلوكه الفردي المستجد والملائم للظروف الجديدة.
وعلى الرغم من أن معظم العائلة الممتدة تسكن في الحي ذاته، إلا أن الخوف من الإصابة والتقاط العدوى، كان سببا كافيا لأن تلتزم إيمان علي وعائلتها الصغيرة في المنزل خلال شهر رمضان والتوقف عن عادة اجتماعية متجذرة، وهي تناول الإفطار الرمضاني برفقة جميع أفراد العائلة الكبيرة بشكل يومي.
قبل أسابيع قليلة، انتشر المرض في محيط عائلة إيمان، وهذا الأمر أدى إلى التزامها المنزل لفترة من الوقت لحماية زوجها وأطفالها من المرض، وما يزال هناك حالات في المحيط في طور الشفاء، لذلك، توقفت العائلة وبقرار شخصي من الجميع عن الاجتماع في ليالي رمضان وخاصة خلال الإفطار، إلى أن تتلاشى أعداد المصابين وتعود الحياة إلى حالٍ أفضل، على حد تعبيرها.
جريبيع يلفت الى أهمية أن يتحول هذا السلوك والتصرفات الفردية لحماية المجتمع إلى قواعد يلتزم بها الجميع، حتى وإن كانت أمورا معتادا عليها منذ زمن طويل، إذ أمسى التعويل على الحرص الفردي والوعي المجتمعي النابع من العائلة الطريقة الأفضل لحماية المجتمع من خطر تفشي الوباء، وعدم الاستهانة بالتصرفات الفردية التي يمكن أن تؤثر على المنحى الوبائي مرة بعد أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock