;
أفكار ومواقف

ليست سوى المستنقع الوحيد فيه

إسرائيل في نظر التاريخ والحقيقة والحق، كيان غير مشروع، ومن ثم فليس له أي حق في الوجود في فلسطين. وعليه، فإنه ليس سوى تجمع من الغزاة الذين جاؤوا من وراء البحار وجميع الأقطار، واغتصبوا فلسطين بوعد بلفور والانتداب البريطاني الصهيوني عليها، وأقاموا فيها كياناً سياسياً على أشلاء شعبها.
إن توراتهم نفسها تعترف بذلك، وتؤكد وجود هذا الشعب قبل الغزو اليهودي الأول لفلسطين؛ بفرعه الكنعاني الذي تذكره مائة وأربعا وستين مرة، وبفرعه الفلسطيني الذي تذكره مائتين وخمسا وتسعين مرة من حالات الحرب والسلم. وقد انتهى وجود الغزاة في فلسطين بتدمير دولتي يهوذا وإسرائيل على يد الآشوريين، وسبيهم إلى بابل.
وإذا كان لهذا التاريخ التوراتي من معنى، فإنه يعني بقاء الشعب الكنعاني الفلسطيني في وطنه، بينما أزيل اليهود الغزاة منه.
نعم، أعاد الفرس المسبيين اليهود إلى فلسطين، ولكنهم أعيدوا إليها كلاجئين شتتهم القائد الروماني تيطس فيما بعد (العام  70م) في الآفاق، في حين بقي الشعب الكنعاني الفلسطيني مزروعاً بأرضه، وإن اتخذ فيما بعد أديانا وثقافات وهويات المحتلين العابرة، وأخيراً دين وثقافة وهوية الفاتحين العرب والمسلمين الباقية إلى اليوم.
لقد أزال الفتح العربي الإسلامي الحكم الروماني (الشرقي) في بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، ولكنه لم يزل أو يطرد شعوبها الأصلية، كما لم ترحل مع رحيله. وبالفتح، جاءت عائلات وعشائر وقبائل عربية إلى البلاد المفتوحة، تبنت شعوبها الأصلية لغتها وثقافتها ودينها -إجمالاً- وانتسب بالموالاة (من الموالي) الكثير من عائلات وعشائر وقبائل البلاد المفتوحة إليها لتنال الحظوة والمساواة (على طريقة الناس في تلك الأيام). لم يكن عرب الجزيرة أو الصحراء العربية بتلك الكثرة في تلك الأيام ليتفوقوا عدداً على شعوب البلاد المفتوحة.
وعليه، أعجب أشد العجب من إصرار بعض مؤرخي العائلات والعشائر والقبائل الأصلية في بلاد الشام، على نسبتها جميعاً إلى عائلات وعشائر وقبائل الجزيرة العربية، لأنهم بهذا الاستعجال والتفاخر “بإثبات” ذلك، يؤكدون الادعاءات الإسرائيلية بأن شعوب هذه المنطقة طارئة عليها، وأنها “أرض التوارة” (Bible Land) أو “أرض الميعاد” (Promised Land) التي استولى عليها عرب الجزيرة بالقوة، وأقاموا فيها إلى اليوم. إنها الرواية الاسرائيلية بالتمام والكمال؛ في كتبهم وإعلامهم ونشراتهم السياحية.
وتأتي دسترة إسرائيل لذلك بأن فلسطين هي أرض الشعب اليهودي ولا شعب غيره في الأمس واليوم والغد، تطبيقاً للرواية والسياسة أو الاستراتيجية الإسرائيلية الإبادية والطاردة. ولكنها تعكس، في الوقت نفسه، عمق الأزمة الوجودية أو القلق الاسرائيلي الوجودي الذي يخترق أعمق أعاميق كل واحد منهم. وأنهم على الرغم من كل القوة والسطوة العالمية التي يملكون، غير واثقين تماماً من مصيرهم بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة أو قرن…
تدل هذه الخطوة -وجودياً-على انتهاء مرحلة اليقين التي تمكنوا في أثنائها من تحقيق انتصارات سريعة خاطفة وكبرى على “الأعداء” في كل مرة، وعلى بدء مرحلة جديدة عنوانها القلق. وكأن سكرة الانتصارات راحت، وجاءت الفكرة بحرب أكتوبر 1973، وهزيمتهم في لبنان، وانتفاضة العام 1987، وصمود غزة.
لقد سحبت إسرائيل بهذه الخطوة  البائسة اليائسة البساط من تحت أقدام إخوانها وعملائها والمنظمات اليهودية والصهيونية في الغرب، عندما كشف عن وجهها العنصري “الأبارتايدي” الحقيقي، وأن إسرائيل ليست -كما يَدّعون- الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بل المستنقع العنصري “الأبارتايدي” الوحيد فيه.
يجب على الفلسطينيين والعرب والمسلمين -حكومات وإعلاماً ونخباً- استغلال هذا المستمسك، وإدانة اسرائيل به، على نحو يؤدي في النهاية إلى عزل إسرائيل ومقاطعتها اقتصادياً، إلى أن تتداعى وتتفكك لصالح قيام دولة ديمقراطية واحدة آمنة مطمئنة للجميع، كما حدث في جنوب أفريقيا سواء بسواء.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock