أفكار ومواقف

ليست قضية هامشية!!

نعيش في هذه الأيام ذكرى حرب العام 1967، أو الأيام الستة، وما ترتب عليها من هزيمة مريرة للعرب، واحتلالات لأراض عربية عديدة، استولى عليها الكيان العنصري النازي، وشرد أهلها إلى جميع بقاع المعمورة.
الذكرى، وكما هو معتاد خلال الأعوام القليلة الماضية، مرت على استحياء في الإعلام العربي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. قبلها بحوالي ثلاثة أسابيع كانت ذكرى النكبة بكل ما تحمله من آلام وغصات ومذابح بحق الفلسطينيين، ومع ذلك مرت هي الأخرى من دون أن يكون هناك تأشير فعلي على الحدث الأبرز عربيا خلال قرن كامل، ومن دون أن ننحاز إلى ضميرنا وإلى عروبتنا ونقف إلى جانب الحق في أعقد فترات الصراع ضراوة.
بعض الأصدقاء أعادوا “رد الفعل البارد” من العرب إلى الظرف الاستثنائي الذي تمر به المنطقة والعالم اليوم جراء جائحة “كورونا”، وانشغال الجميع بها. ربما يكون هذا التبرير مقبولا في جزء منه، لو لم يكن التعامل مع هذه الذكرى أصبح مختلفا خلال الأعوام القليلة الماضية.
التبرير سيكون مقبولا، كذلك، لو أن ساسة الكيان العنصري انشغلوا بهموم “كورونا”، وتوقفوا عن التخطيط لابتلاع الأرض العربية. لكن ذلك لم يحدث، بل إن تخطيطهم وجشعهم زادت وتيرته خلال هذه الجائحة، والتي اعتبروها فرصة مواتية لتنفيذ مخططاتهم العنصرية.
في الحقيقة، فإن المسألة لا دخل لها بالجائحة، بل بالتحولات العميقة التي طرأت في المنطقة، خصوصا أننا نعيش اليوم في ظل أكذوبة جديدة باتت تعرف باسم “الواقعية العربية” التي أعادت تعريف الصراع في المنطقة على أسس جديدة، وبالتالي فهرست العدو الصهيوني ضمن قائمة جديدة على اعتباره “شريكا محتملا” في المعادلة الإقليمية، على حساب تعظيم الخلافات مع الجار الإيراني، وتعظيم خطره المفترض، والذي يراد لنا أن نعتقد أنه أصل جميع الشرور.
ولكي لا يفهم كلامي على أنه ميل أعمى للجانب الإيراني، فإنه من المفيد التأشير إلى أن سياسات إيران ليست مثالية ولا ودية تجاه المنطقة وشعوبها، كما أن لها مشروعها الذي تجهد في تنفيذه بلا كلل، ونستطيع في هذا السياق أن نحشد الكثير من الأمثلة على العدائية التي انتهجتها في أكثر من ساحة. لكننا نفاضل هنا بين دولة جارة نختلف معها في السياسة، وبين كيان غاصب محتل، حتى أن المقارنة في سياق مثل هذا هو أمر فيه شطح كبير، ولا يمكن له أن يستقيم منطقيا!
تبدل معادلة الأصدقاء والأعداء عند دول عربية مؤثرة، أسهم في خلخلة المفاهيم التي حسبناها راسخة لدى شعوب المنطقة. الخطوط الحمراء لم تعد كذلك، والشعارات التي كانت رائجة حول عروبة فلسطين وشعبها، تبدلت بتمجيد السفاح وتجريم الضحية. على ضوء ذلك، بتنا نشاهد ونسمع مواطنين عربا وإعلاميين ونجوم فن ومجتمع يكسرون “تابوهات” كان مجرد الاقتراب منها يعد جريمة ضد الحق والدم العربيين.
“الرخاوة”، وعدم اليقين، وتراجع الثوابت، وغياب الثقافة القومية، وانعدام الحصافة في استدعاء البعد التاريخي للصراع وقياس أخطاره، أسهمت جميعها في خلق حالة استسلامية غير مسبوقة، وأفرزت ممارسات بات كثيرون يرون أن أصحابها يمتلكون الحق في انتهاجها، وأن يرفعوا أصواتهم بالقول: “فلسطين ليست قضيتي”!!
الخامس من حزيران مرّ هذا العام فيما قضية فلسطين، من النهر إلى البحر، تمر بنفق مظلم جديد من صناعة الصهيونية والإمبريالية والعرب “المتمتعين” بنعمة العمى الأبدي. ومع ذلك، كان محزنا ضآلة التعاطف العربي مع الأشقاء الذين تشبثوا بأرضهم ومفاتيح بيوتهم وحلم عودتهم. محزن أن تخسر هذه القضية العادلة، حتى التعاطف، بعدما خسرت في السابق الجهد المخلص لإسناد أصحابها ودعم صمودهم. محزن أن يجد الفلسطيني نفسه بلا أي سند، سوى دمه الذي ظل مشرعا على مدار قرن كامل.
اليوم، تبدو فلسطين كما لو أنها تحولت إلى اللون الرمادي في الضمير العربي “المرن”، لذلك، من حق أي شخص أن يصرخ بمنتهى الوقاحة بأنها ليست قضيته. بالفعل؛ فلسطين ليست قضيتنا، بل هي قضية الضمير الحي في أي بقعة حرة في العالم. أما الضمائر الميتة، فمن الصعب أن تتبنى أي قضية مهما بلغت درجة عدالتها أو قداستها!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock