أفكار ومواقف

ليس أملاً.. إنه إيمان..!

علاء الدين أبو زينة

صحيح، ليست الحرب متكافئة، مادياً، بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، لكن هذا ليس سبباً للوم الفلسطينيين – أو أي شعبٍ تحت الاحتلال- على الاشتباك. لو كان هناك تكافؤ في القوة بين الفلسطينيين وعدوهم، المدعوم من أقوى قوى العالم، لما كانت فلسطين محتلة الآن – أو لما كان الكيان ليجرؤ على فعل ما يفعل مع الفلسطينيين بلا خوف من العقاب. الحقيقة الواضحة هي أن الفلسطينيين جميعاً مشتبكون، منذ الاستعمار البريطاني على الأقل، ومع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، في معركة جبرية مصيرية، على المحك فيها وجودهم نفسه كشعب. وهو اشتباك هم فيه غالباً تحت الهجوم، شرط استمراره هو رفض الفلسطينيين الرضوخ لمنطق القوة والتخلي عن الحق في الوطن والحرية. وفي اللحظة التي يكف فيها الفلسطينيون عن الاشتباك لا يعود هناك شيء اسمه فلسطينيون.
ما يفعله الفلسطينيون هو الطبيعي. والانتصار لنضالهم بكل أشكاله، انطلاقاً من أحقية وأخلاقية دوافعه، هو الطبيعي. أما نصحهم بعدم الاشتباك، أو تيئيسهم من المقاومة واقتراح قعودهم عنها إلى أن تتوازن القوى، أو يتغير الطالع أو يحنّ العالم، فاقتراح باستسلامهم للذل الأبدي، والموت الجبان، والشطب النهائي من سجل التاريخ. هذه هي البدائل التي قرر الفلسطينيون بالأغلبية الساحقة، وبكل أجيالهم ومواقعهم، ألا يتأملوها مطلقاً.
خسر الفلسطينيون في الاشتباك الأخير مزيداً من الشهداء والجرحى والمباني (أقول “مزيداً” لأن تاريخ الفلسطينيين الحديث هو كله جرحى وشهداء وأسرى). لكن هذا النوع من الجولات فيه خسارة وربح أيضاً. تخيل، أيها الموصي بعدم الاشتباك، لو أن أصحاب الشيخ جراح حزموا أغراضهم وأخلوا بيوتهم للمستوطنين وخرجوا إلى العراء بلا اعتراض؛ أو أن المقدسيين تركوا الأقصى للمتطرفين الوحشيين ليدخلوه سالمين، هل كان ذلك سيخدم قضية الفلسطينيين ويجنبهم الخسائر؟ لا يحتاج العدو المستولي على كل الأرض الفلسطينية بضعة منازل لإسكان مستوطنيه، ولا هو في حاجة إلى دخول باحات الأقصى وهو الذي يحتل القدس التي فيها الأقصى وكل البلد الذي فيه القدس. إن ما يريده هو إذلال الفلسطينيين وتذكيرهم بأنه المتحكم في مصائرهم، وتضييق حيزهم. وأي حكمة في تسليمك كل هذا لعدوّ بلا مقاومة؟ إذا جاء أحد ليأخذ منزلك وحياتك وكيانك بمسدس، فسوف تقاومه بما لديك، بسكين
أو عصا أو حجر.
ما يحدث في فلسطين أعاد قضية الفلسطينيين المغيبة طويلاً إلى العناوين والضوء، وذكَّر بأنهم هنا. وما كان أحد ليسمع منهم لو أنهم سلّموا الشيخ جراح وخذلوا الأقصى. ما يحدث أظهر أن التطبيع العربي غير الأخلاقي مع كيان غير أخلاقي واحتلالي بالتعريف العالمي، لا يغير شيئاً في معادلة الفلسطينيين، ولم يقوِّ موقف عدوٍّ يعتقد المطبّعون أنه سيحميهم وهو نفسه لن يكون آمناً في صراع وجوده الخاص. وما يحدث أظهر أصالة الشعوب العربية المرتبطة عضوياً بأرضها ومقدساتها وأهلها في فلسطين. وما فعلته غزة، التي وصف الذين لا يصفون صواريخها بالدمى، هو إغلاق مطارات العدو وقطعه عن العالم، وخسارته مئات ملايين الدولارات، وإطلاق صافرات الإنذار في المدن المحتلة، وتأكيد خوف عناصره وتذكيرهم بأنه يصبحون أقل أمناً وبأن كل جيل من الفلسطينيين هو أقل خوفاً وأكثر عناداً وتمسكاً بالوجود.
ما يحدُث خيّب المشككين في وطنية فلسطينني الداخل المحتل وفرضية انقسام الفلسطينيين بالجغرافيا. الفلسطينيون هم الفلسطينيون في كل الوطن المحتل والمنفى. وما يحدث أظهر عزلة سلطة رام الله وانفصالها الكامل عن عواطف ورؤى الشعب الذي تصرّ على تمثيله. كان صمتها مريعاً وتعليقاتها متأخرة، ولا يقصدها أحد في شيء لأنها معزولة عن الاشتباك. لقد تجاوزها الفلسطينيون في الموقف والفعل وأظهروا كم هي فائضة ومعيقة. إنها بارعة في قيادة الاستسلام وليس الاشتباك. أي قيادة لا تستميت في الدفاع عن شعبها وبيوتهم وأرواحهم ومقدساتهم بكل ما تملك وهم تحت الهجوم؟
صحيح، ليست المعركة مع العدو الصهيوني متكافئة. لا يستوي عزم صاحب الأرض والحق وعصبية الغريب الغاصب الخائف. والاشتباك لا “يُعِيد” الأمل للفلسطينيين. إن ما لديهم ليس أملاً يمكن أن ينتعش وينوس. إنه إيمان راسخ لا يقلقه شيء بحتمية زوال الاستعمار وتحرر كامل الوطن التاريخي؛ إيمان مدهش البداهة، كما سجله شاعرهم: “أيُّ شيءٍ يقتلُ الإصرارَ، في شعب مُكافِحْ/ وطني، مهما نسوا/ مرّ عليه ألفُ فاتِحْ/ ثم ذابوا.. مثلما الثلجُ يذوبْ”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock