أفكار ومواقف

ليس اكتفاء بل “اعتماد أقل”

إذا كانت واشنطن لا تشارك دول الخليج العربية نظرتها إلى إيران، وإذا كان دنيس روس اعترف لصحيفة “الحياة” بأن “هناك مزاجاً أميركياً للانسحاب من هموم المنطقة”، فإنّ هذا حافز على مزيد من الواقعية السياسية والتدبير الذكي والابتعاد من “المظلومية”، لأنه ليس يتوافر أمامنا عالمٌ أكثر إنسانية وأخلاقية مِنْ هذا العالم كي نفرَّ إليه، كما نبّه إلى ذلك الكاتب اللبناني حازم صاغيّة.
الحاجة الخليجية والعربية لانتهاج الواقعية تتطلب جهداً سياسياً ودبلوماسياً عربياً لإقناع واشنطن بفكرة طرحها روس؛ بأنّ “أمراض الشرق الأوسط لن تبقى محصورة هناك إن لم تعالجها (أميركا)، وأنها عندما تساهم في الفراغ في المنطقة فستملؤه القوى المدمرة”، مشدداً على أن “على الإدارة المقبلة وضع خطط طارئة مع شركائنا العرب، لمكافحة شتى التحديات مثل إيران”.
المصادفة أن كلام روس تزامن مع ورشة عمل نظمها، الأسبوع الماضي، “مركز الإمارات للسياسات” في أبو ظبي، حول “تحوّل التقدير الاستراتيجي الأميركي للشرق الأوسط وانعكاساته على أمن الخليج”. وقد حاول عدد من أوراق الورشة المهمة ترك خطاب “المظلومية” وتقديم سياسات بديلة عن ذلك، تمحورت حول حاجة دول الخليج إلى الواقعية من أجل إعادة تعريف العلاقة الخليجية-الأميركية بشكلٍ عملي وفعّال. وقد أثار “مركز الإمارات للسياسات”، في هذا السياق، جملة مقاربات وأطروحات، أبرزها أربع هي:
أولاً، إنّ حديث دول الخليج عن “الاكتفاء الذاتي” عن أميركا غير واقعيّ، والأجدى الطموح إلى “اعتماد أقلّ” عليها، وذلك لأنّ افتقار دول الخليج إلى التكامل العملياتي والمواءمة الفنية بين أنظمتها التسلحية يجعلها أقلّ اعتماداً على جهودها الفردية لاحتواء إيران.
ثانياً، إن أيّ إضعاف للعلاقة الخليجية-الأميركية يصبُّ في مصلحة إيران، ويَغُضُّ الطرف عن حقيقة أن أميركا ما تزال، حتى بعد تحول تقديرها الاستراتيجي، الشريك الأهم والأبرز في الشراكات الاستراتيجية الخليجية، وأنّ استراتيجية “تقاسم العبء” الأميركية هي في الواقع فرصة مثالية لدول الخليج لتوثيق العلاقة بأميركا وليس العكس، وذلك عبر “الاعتماد الأقل”.
والأرجح أنّ هذا لن يستقيم إلا بإدارة ناجحة لثلاثة تحديات أساسية تواجهها هذه الدول، هي مشروع الهيمنة الإيراني، ومكافحة التطرف الديني والإرهاب، وأخيراً عدم الانشغال بهذين التحديين عن ترسيخ الحوكمة وسيادة القانون والإصلاح.
أما المقاربة الثالثة، فتنبّه إلى أنّ سوء الفهم في العلاقات الخليجية-الأميركية أوجد فجوات في العلاقة بين الطرفين، بخاصة في المدركات وتحديد مصادر التهديد المشتركة وسُلّم الأولويات وعناصر تنامي الشراكة بين الطرفين وتدفق مواردها المختلفة.
وتلفت المقاربة الرابعة النظر إلى أنّ احتواء إيران يتم بتطوير التحالفات العربية ومأسستها بعيداً من الأثر الشخصي في إقامتها، وتبدو “مجالس التنسيق المشتركة” بذرة أولى في هذا الاتجاه، على أن يتوازى هذا مع أمرين هما: عدم إضعاف العلاقة الخليجية-الأميركية، لاسيما في شقها العسكري؛ والانفتاح الخليجي والعربي على الشراكات مع أوروبا (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) من أجل ما سمته الورشة “تنويع محفظة المصالح” بين الخليج والغرب لاستدامة الشراكة وتقليص فجوة تعريف المصالح بين الطرفين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock