يتلفَّتُ الواحدُ خلفه، من أين سيأتي الخبر السيئ؟
ليس يُقلقه أن ينفد الخبز، بل أن تنفد الطمأنينة.
هَمُّهُ أن يظلّ منها ما يكفي للغد، وللعائلة كلّها.
ينظر الواحدُ في وجه الآخر، كأنَّ كل واحدٍ يستحلفُ رفيقه: ليس اليوم!
أين كانت الحياة تخفي لنا هذه المكيدة العظيمة! وماذا فعلنا لنستحقّها.
كأنَّنا لم نختبر من الشرّ الكبير ما يكفي، ولم نذق من المرارات ما فاض على وسعنا. وكأنَّ على ظهورنا متسع لقتلى آخرين ونحن ندفعُ عمرنا إلى آخِره، وندفعُ صخرتنا إلى آخِر هذا الجبل.
مَن الذي تعثَّر بالكأس فأراق النصف الفارغ على النصف الملآن، وأراق الهموم على صحن الضحك.
لا تُصدّقُ العينُ ما ترى؛ كأنَّ هذا الذي يجري لنا يجري لغيرنا على شاشة سينما، أو كأننا في كابوس طويل لن نلبث أن نصحو منه متثائبين، نرتعُ في نعمة البلادة، لا نخاف على أحدٍ من شيء ولا على شيءٍ من أحد.
من يتذكرُ الآن كم كنّا بخيرٍ وكم كنّا سالمين!
وكنّا نظنُّ أن تلك طبيعة الأشياء، فلم نقرأ شيئاً في “كتاب الحَمْد”، ولم نقل مرةً : شكراً!
..
ليس اليوم يا صاحبي!
دعنا نكمل حبّنا، أو خصومتنا، ودعنا ننتظر طلوع الشمس لأتأكد من لون عينيكْ، ومن بياض قميصك الأبيض.
ليس اليوم لأن اليوم حارٌ ولا يناسبُ العناق أو الحفر في الأرض، وليس غداً لأنَّك غداً
ستكونُ قد فوَّتَ موعدك!
..
يتلفَّتُ الواحدُ خلفه، ويتلفَّتُ أمامه، ويُقلِّبُ في جيوبه، وفي اليد التي تُصافحُه: متى سينفجرُ هذا الهدوءُ الماكر في وجهي؟ ويلطِّخُ ملابسي بالأدوية!
ليس يُقلقني أن ينفد الخبز، بل أن تنفد الهناءةُ، وأن ينفد الضحك. أو أن ينفد “اليوم”.
يتلفَّتُ.. ولا يرى سوى الغبار الذي تثيره سيّاراتٌ سريعةٌ تأخذُ الذاهبين، والأيدي التي تقعُ قبل أن تُلّوح أو أن يُمسكها أحد.
ها إنَّ صاحبي معي اليوم فـ”شكراً أيتها الحياة اليوم”!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock