أفكار ومواقف

ليس باسم الكركيين!!

أخرج رئيس بلدية الكرك إبراهيم الكركي الأردنيين عن طورهم وهدوئهم، وهم يراقبونه يستعرض بـ”أدائه الإنساني” تجاه السياح من الكيان الصهيوني الغاصب، ويصر على التقاط صورة على الأقل مع كل خطوة يتقرب فيها تجاههم.
باسم الإنسانية سيظل المطبعون يرشقوننا بجميع الخطب العصماء، ويصرون على الدفاع عن انهزامهم بكل ما تختزنه اللغة العربية من مفردات الوطنية والقومية، وهو ما فعله الكركي تماما بـ”البيان العرمرمي” الذي اتهم فيه جميع منتقديه بأنهم “مقتنصو فرص”، ويحاولون “تشويه المسيرة الشبابية” التي يمثلها الكركي، إضافة إلى إشارته أن اتهامه بالتطبيع هو “عبارات مصطنعة” لا تهدف إلى محاربته، وأن ما قام به هو فعل إنساني معتاد.
في الحقيقة، نحن لا ننتقد المبادرات الإنسانية، ولا طبيعة الإنسان المجبولة على فعل الخير، ولكن ما ظهر من الصور التي تم بثها على نطاق واسع، ومن التصريحات المنسوبة إلى الكركي في الإعلام العبري، والاحتفاء الكبير به وبـ”لمساته الإنسانية”، يجعلنا نتعدى فكرة مبادرات الخير والإنسانية التي يتحدث عنها، إلى التفكير أن ما قام به هو عمل تطبيعي كامل الأركان، يضر بالمصلحتين؛ الأردنية والقومية، ويسيء إلى آلاف الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الحق في وجه أبشع وآخر احتلال قائم حتى اليوم، يمثله أولئك السياح وكيانهم الغاصب.
الإنسانية تتحدد بالنظر إلى الجانب الآخر من النهر، وكيف يحرص الاحتلال على أن يعيش فيها الفلسطيني في مرتبة أقل من البشر، فارضا عليه ظروفا غير إنسانية، ومصادرا عنه أبسط الحقوق الإنسانية.
وتتحدد، أيضا، بالمعركة الطويلة التي يخوضها الأردن والفلسطينيون من أجل التشبث بحقيقة أن تظل الأرض عربية، وأن يظل للفلسطينيين ما يحلمون به: دولة تلم شتاتهم وعاصمتها القدس المحتلة التي يتآمر عليها جميع العالم، بمن فيهم من يقومون بـ”مبادرات إنسانية” ليست في مكانها ولا في توقيتها الصحيحين.
ولعل الأمر الذي يجعلنا نشعر ببعض الراحة، هو أن الكركيين، والأردنيين جميعهم، لم يتركوا لنا شيئا لنقوله في هذا السياق، فقد عمت الاحتجاجات في جميع أوساطهم، مستنكرين ما فعله رئيس بلديتهم، ورافضين أن يكون هذا الفعل معبرا عنهم، أو أن يكون باسمهم، مطالبين إياه بالاستقالة، وهو أقل ما يمكن عمله من أجل أن يمسح عن الكرك والكركيين الغبن الذي طالهم.
الكرك مختلفة، وستظل مختلفة على الدوام، فهي لن تسمح بأن يساء إلى تاريخها النضالي القومي، ولا إلى سيرة مئات الرجال الذين عطروا سماءها ببطولاتهم الخالدة، بمن فيهم أحمد الكركي الذي انتصر على الموت من أجل عيني حبيبته فلسطين، فغنت له كل نساء العرب.
إن الظرف الاستثنائي الذي تمر به القضية الفلسطينية والمنطقة اليوم، لا يبيح أي فعل خارج عن الإجماع الوطني الذي عبر عنه الأردن بجميع مكوناته، ناهيك عن أننا لسنا في حاجة إلى أفعال غير واعية ولا ناضجة، ولا تعبر عنا ولا عن خياراتنا تجاه دولة النازي الجديد.
من الجيد أن الكركي اعتذر مساء أمس. ولكن يجب التأكيد على أن الأفعال التي أتى بها، هي أفعال استعراضية لجهة الأعداء، واستفزازية لجهة مواطنيه، وهي مدانة من جميع الوطنيين، لم يراعِ فيها حرمة الدم العربي الذي ينسفك باستمرار من أجل أن تستمر فلسطين حاضرة في الوجدان الإنساني.. فعن أي إنسانية يتحدث؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock