أفكار ومواقف

ليس بالأجر وحده يبدع الإنسان


موضوع اليوم اقتصادي من الدرجة الأولى، لكنه مصوغ بقالب فلسفي.


فقد قرأت قبل ثلاثة أعوام كتاباً بعنوان “إعادة اكتشاف العمل”للكاتب الأميركي ماثيو فوكس، يتناول فيه بدرجة عالية من الصبر والمثابرة مفهوم العمل الذي ضاعت روحه، وبقيت لنا قشرته الخارجية بفعل النظرة المادية الاستهلاكية للحياة، والتي انتشرت في النفوس.


ويقول فوكس في كتابه إن الله سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثاً، بل إنه وضع لهذا الكون نظاماً شاملاً يقوم كل إنسان فيه بأداء دوره الذي خلق من أجله على أكمل وجه.


ولهذا، فإن إيمان الإنسان ورؤيته بأهمية الدور الذي يقوم به وبترابط هذا الدور مع الأدوار الأخرى ضمن المنظومة الكونية تجعل الإنسان يؤدي عمله بأعلى درجات الحب والإتقان.


وعليه، فإن للعمل الذي نقوم به امتدادات معنوية وخلقية تجعلنا نشعر بالسعادة ونحن نؤديه.


ويفرق الكاتب بين مفهومي “العمل”و”الشغل”؛ فالعمل يجب أن ينطلق من رضا الإنسان عن نفسه ودوره، وسعادته بأدائه، وشغفه بإتقانه، أما الشغل فهو مجرد الإطار الخارجي غير الروحي للعمل.


إنه مجرد انشغال بأمر ما، ومن باب طلب العيش.


ويقول الكاتب نحن لا نعمل بل “نُشَغَّل”تماماً كما تشغل الآلة، وهمنا من العمل غير السعيد هو الحصول على أجر لكي نُموّل استهلاكنا.


ولذلك وقعنا في مصيدة (اشتغل – اصرف – اشتغل..) وبزيادة إنفاقنا وصرفنا نشتغل أكثر ونصبح أكثر تعاسة وشقاءً لأن جوعنا لمزيد من الاستهلاك لا يُطفأ وعطشنا له لا يُروى.


وتذكرت بعض المفردات التي نستخدمها في حياتنا؛ فعند الإعلان عن وظيفة نقول “ملء شاغر”، وكأن لا هم لنا إلا أن نملأ فراغاً، وكأن الإنسان يختار لعمل ما لأنه مهم للشاغر، وليس لأن العمل المطلوب سيؤدى من قبل إنسان هو أصل قيمة كل الإنتاج.


وانظر الى السلوك العام في أداء العمل؛ فهنالك معلم مثلاً لا يأبه بالطلاب، ويعتبر الوقت الذي يمضيه في التعليم في المدرسة فترة عقوبة. وترى كذلك طبيباً يبحث عن وسائل لا لمعالجة المريض بل لتخفيف المرض.


وشتان الفرق، كما علمني أخي الطبيب الدكتور عبدالرحمن، بين علاج المريض وعلاج المرض.


وانظر إلى سلوك بعض العمال عندما يحضرون إلى بيتك لأداء أبسط وظيفة، فهو يؤديها وكأن هم الدنيا على رأسه، فهو خاوٍ من الاندفاع والرغبة في إنجاز العمل واجتراح السعادة من الإتقان.


وأذكر أنني لما كنت أزور المدرسة “البوعنانية”في جامع القرويين بمدينة فاس المغربية، اطلعت على مخطوطة لابن طفيل؛ ولقد بلغت الصفحات المزركشة بالنقوش والخطوط مستوى لا يعلى عليه، ورأيت بأمّ عيني ذلك الخطاط وهو يعمل بجد ومثابرة، يمسح الحبر عن وجهه، ويحرص ألا يخطئ، أو تزِل ريشته، ومن أين له أن يأتي بجلد غزال جديد إن أخطأ؟!


وقلت سبحان الله، ها أنذا أقرأ الصفحة بعد ثمانية قرون ونيف، وكأنها أعدت يوم أمس.


كيف نقدر الذين يؤدون عملهم بإتقان وإبداع، وأي أجر يمكن أن يفي هذا الخطاط المبدع حقه على عمله المتقن.


نريد عودة الروح الى العمل؛ وفي أدياننا السماوية وتراثنا البديع ما يمنح الحافز.


ليس بالأجر وحده يبدع الإنسان، بل بالخُلُق والإيمان بأن قيمة العمل من قيمة الإنسان نفسه.


[email protected]

تعليق واحد

  1. wowwwwwwwwwwww
    اسعفت قلوبنا يا معلمنا نعم هذا الذي نريد ان نقرئةوهذا الذي نريد

  2. أتقنوا عملكم
    صدقت يا دكتور ولكن وبكل أسف أقول (ان وجد أذن تسمع فهناك أخرى تضيع ما سمعت الاولى)فالمال أصبح الهم الأول والأخير ينتظرونه من شهر لاخر ويملون من أعمالهم التي يعتبرونها أداء لا واجب

  3. 🙂
    فعلا ً مقال عميق و ذو فحوى.
    يختلف عن خطك المعتاد د. جواد و أعجبني كثيرا ً.
    الكتاب بعون الله هو على قائمة الكتب التي أنوي قراءتها، يبدو مشوقا ً و ذا دلالات و حلول عمَليّة.

    شكرا ًلك.

  4. الحل
    الخطوة الاولي في تحقيق هذا الهدف و تغير عقلية الادارة العليا في الشركات من حيث النظر الى الموظف كفرصة لتطوير العمل بإستغلال إمكانياتة الحقيقية و ليس النظر إلية كمجرد كلفة.

  5. والله زمان
    كم نحن بحاجة لاحياء هذه القيمالانسانية حب العمل واتقانه و والمثابرة والصبر فيبدأ نهاره سعيدا وينهيه راضيا ويؤدي لمنفعة المتبادلةومجتمع متحاب وانتاج ابدعات جميله بالاضافة للحفاظ على المدخرات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock